في هذه الأبرشية حاولنا أن نسترضي المسيح كلنا بعضنا مع بعض. والفضل في ذلك لله وحده الذي أَلهمَنا جميعاً محبته. ويشهد الله, على رغم تقصيري, أن المحبة هي رباطنا وأن روحاً آخر لم يحرّك راعيكم. وما من شك عندي أن إخوتي الكهنة لم يستسلموا لحزازات محلية أو ردّات فعل. طبعاً قد لا يكون مخلوق حراً من النزوة. غير أننا حاولنا أنا وأنتم أن نعمّق المحبة لنفتش عما يداوي ويبلسم الجراح. ذلك أننا تعلّمنا معاً أن يصبر أحدنا على الآخر وأن يُسكت في نفسه صرخة الغيظ. لم نهزم أحدنا – أنا وأنتم ورعاتكم – أمام ضيق الصدر وأمام الغضب.
لقد حاولت أن أبيّن لكم أن خير سلوك في الرعية أن نُحْسن الظن بالإخوة وأن نصدّقهم في ما يقولون وألا نسيء الظن إلا إذا ثبت بصورة قاطعة. مَشَينا معاً على الثقة وعلى الغفران. وعلّمنا وتعلمنا أن كلا منكم ضروري في موقعه لأنه بنّاء في رعيته والأبرشية بمنصب كان أو بلا منصب. فإن المسؤولية ليست في مناصب الإدارة ولكنها في التواضع والوداعة ودراسة الكلمة إلهية وافتقاد المساكين. وفي هذا كله كان بينكم مبرزون. ومن الطبيعي أن يأتي تعاوني مع الذي يبدو على هذه المزايا وألا أُبعد عن قلبي المهملين أو الفاترين ولو ذكّرتهم أن حرارة القلب هي التي اللهُ طالبُها.
تسلمتُ من قيادة الكنيسة العليا أبرشيتكم منذ ما يقرب 29 عاماً. عمّّرناها معا بالروح القدس. ما بنيتُها وحدي لو لم تستجيبوا, و عمّرها كل كاهن في قريته على قدر ما وهبه الله من نعمة وعلم وحكمة. والحكمة نعمة من نِعَم الروح. ولكنها فضيلة نادرة تتطلب أولا أن ندرك كلمةَ الله بمعانيها وامتدادها, ولكنها فيها جانب بشري وهي معرفة الناس والبيئة والظروف. من هنا أنها لا تكمل في أحد على هذه الأرض. ولذلك هناك محل للغفران, ومن الغفران النسيان وأن نسير كل يوم بقوى متجددة ومجددة. فكما أن الخطأ هو في اعتبار كلمة الله وحدها مرشدة, كذلك الخطأ أن يتذاكى الناس ويظنوا أن الحكمة البشرية وحدها كافية وأن الدنيا تسويات.
هناك مواقف مبدئية لا نستطيع إهمالها لئلا نقع في خيانة الرب. ومن هذه المواقف أن نحترم بعضنا بعضا تعبيرا عن محبتنا بعضنا بعضاً. لعل على الأرثوذكسيين أن يقتنعوا أكثر مما سبق أن الأسقف والكاهن شخصان قال الله فيهما: “لا تَمسّوا مُسَحائي” (مزمور 105: 15) . من هنا أن لا مكانة للنميمة والانتقاد في المجالس والكيد, وإن من كان له مأخذ عليه أن يعبّر عنه للشخص المسؤول. الخوف من أن يكون في نفسك نتوء لأن النتوء يولد العداوة. وما أسهل من انتشار العداء أو الغيظ والراعي لا يعرف عنهما شيئاً. يجب نكء الدملة طلبا للصراحة, والمصارحة طريق إلى المصالحة. هل تذكرون في أول إفشين من أفاشين التوبة أننا نستغفر الله عمن “وقعوا تحت لعنة كاهن”؟ واللعنة لا تعني شيئاً لسانيا بالضرورة ولكنها تعني دائما أن يبعدك الكاهن (أو الأسقف) عن قلبه لكونك أحزنته. قد يكون الرئيس الروحي ظالما فيستبعدك عن داخله. ولكن ربما أنت ظلمته فأحزنته.
لا يكن أحدكم وطأة على الراعي أية كانت مرتبته. إنه يخدمكم بفرح الرب وتفويضه. نحن نقبل بعضنا بعضا في سلام المسيح, ولا يحجب أحدنا الآخر ولا يحاول أن يزيحه لأن لكل منا مقاما في جسد المسيح. فإذا كنا نَموت بعضنا عن بعض فالأولى أن نُفرح بعضنا بعضا.
