الرحمة موقف القلب من الخاطئ والمسيء. هي الغفران له وألاّ تحمل الحقد عليه وأن تعامله بوداعة. ولكن هذه كلها يرافقها لين أو ترافقها شدة من أجل تربية الخاطئ. والتربية تكون بلا انفعال. يقررها العقل الفاحص الوضع والمحب معًا. «كونوا رحماء كما أن أباكم أيضًا رحيم» (لوقا 6: 36). هذا تابع لقوله: «أحِبّوا أعداءكم»، ويتبعه «لا تَدينوا… اغفروا»، ويتبعه أيضًا: «لماذا تنظر القذى في عين أخيك»؟. ان احتضان الله لنا يقودنا إلى احتضان الآخرين. أبوّة الله للجميع تستتبع أُخوّتنا للجميع.

غير أن المحبة ليست بلا تأديب. «من أحبّه الرب يؤدبه». والكتاب نفسه الذي يتكلّم على محبة الله فهو القائل: «من أجل قساوتك وقلبك غير التائب تَذَّخر لنفسك غضبًا في يوم الغضب» (رومية 2: 5). ان الرب عندما يغضب عليك يبقى محبًا لك، ولكنه بغضبه يربّيك. أبوّته تفرض عليه أن يعيدك إلى وعي نفسك ابنًا. جاء في الرسالة إلى العبرانيين: «قد كان لنا آباء أجسادنا مؤدِّبين، وكنا نهابهم». ولئلا يظن من نؤدبه انه مكروه، تابع الرسول فكره بقوله ان الذين يتدربون بالتأديب يعطيهم الرب ثمر بِرّ للسلام. ويتابع فكره هذا بقوله: «قوّموا الأيدي المسترخية والركب المخلّعة». هذا العلاج يحتاج أحيانًا تمارين قوية.

اللين أسلوب وليس غاية أو منطلقًا. قد يأتي بثمار مع الطبائع الحساسة المرهفة، ولا يؤتي ثمارًا مع الطبائع الغليظة أو التي صَمّمت على السوء. هذه لا تنفعها الا الشدة التي تذهب أحيانًا إلى حد الكسر. طبعًا بعد الكسر جبر. ولكن لا بدّ أحيانا أن نمرّ بالكسر سبيلا إلى الشفاء. لا بد من صفعة أحيانا (معنوية). ولا بد من قطيعة أو قطع أحيانا أخرى أو من سخط وإظهار سخط. قد لا ينفع الصراخ أبدا، ولكن ينفع الكلام القاسي الذي لا شتم فيه ولا إهانة ولا تحقير لئلا يفهم الخاطئ من صمتنا اننا نوافق على فعلته أو انه لم يجرح الحقيقة.

المهم ان نبيّن للمخطئ اننا لسنا ثائرين من اجل كبريائنا، ولكنا ثائرون من اجل الحقيقة، ولنا غيرة على المخطئ لكوننا نريده ان يعود إلى الحقيقة. وقد لا يعي انه شَذّ عنها إذ لم ينضج روحيا ليفهم انه شذ. علينا، إذ ذاك، ان نُعيد الحسّ الروحي إليه أو ان نذكّره بالوصية الإلهية التي خالف إنْ كان له إحساس بها. لنا ان نبيّن له وجه الخطأ في تصرفه وطبيعة الانحراف الذي انحرف به.

وهذا كله يعني علاجا هادئا صبورا. فالصمت على الخطأ يعني اننا نريد الا ننزعج ولا نُخَضّ، ويبقى المرض ونكون غير محبين لمن شخّصنا مرضه. أن نهمل الأمر ونتّكل على الزمن، فالزمن لا يؤتيك دائما بتهدئة، وتتكرر الأخطاء وتتراكم فتنفجر. التريُّث وقتا قصيرا نافع لمواجهة المشاكل بهدوء عند المؤدِب والمؤدَب.

العظيم مَن إذا أَدركَ خطأه يحيد عن عناده ويعترف. الذي نصالحه هو من قد صالح الحق وارتضى نفسَه في الحق. أن نربّي الناس على ان الحقيقة تنجّيهم وأنهم إذا انوجدوا فيها فهُم في سلام وفرح، هذا وجه كبير من وجوه المحبة.