كتبت هذه السطور قبل أمس وأنا  في حالة ارتقاب لانتخاب رئيس الجمهورية والارتقاب مخيف وقد أسس قبلي الصديق الكبير غسان تويني على الفكر السياسي اليوناني القديم وعلى معلّمنا الفارابي. واذا انتخب لنا أمس رئيس لشعبنا أو أرجئ انتخابه أقدم له تأملاتي بتواضع وقد يكون على المواصفات التي ذكرها رأس الكنيسة المارونية البطريرك مار نصرالله صفير وإخوته المطارنة او يكون دونها او فوقها ورجائي ان يفوق كل توقّعاتنا. فلكوني لا أعرفه حتى لحظة تدبيجي هذا المقال فأنا أتكلم هنا على الذي أتى او الذي لم يأتِ بعد وقلوبنا اليه.

                      اكتب وأنا خائف عليه من أزماتنا وأحاول ان أتجاوز خوفي بالايمان بأن الله لن يترك هذا البلد. واذا صوّر من هو أكبر مني ملامح الرجل فنحن اليه اذا ما جاء أمس او كان سيجيء بالرضاء الإلهي مكافأة لنا. ومن وضع نصب عينيه البهاء الذي ينبغي ان يتمتع به الرجل فلا بد ان يدفعه المقام الى التمتع بالخصال التي نرجوها اليه.

                      كل مقام متعب ولهذا ندعو الرئيس الذي ظهر او سيظهر بكل الحسنات المعقولة عند البشر ولست أغالي اذا قلت ان لبنان سيجمَل بالرئيس اذا كان على الطهارة التي هي صفة كل قائد. ونقاوة الخلق مبتغاة في اي مسؤول اية كانت درجته في سلّم المسؤولية. وسوف يحيطه الأبرار اللبنانيون بأدعية لهم موصولة لأن الرب سوف يمده بنشأة من عنده حتى لا نقع في التفتت وحتى نؤمن بمصير بلدنا الذي يستحق الحياة.

                      ركزت على نقاوة قلبه ولسانه وعمله اذ منها يتحدر كل شيء وفي لغة الإدارة هي رديفة الحكمة. وهنا يحضرني حديث نسكي قديم دار في دير كان رهبانه يستعدون لانتخاب رئيس فقال شيخ بينهم: ان كان من تريدون رجل صلاة فليكمل صلاته في عمقها وبها ينفعنا  اما اذا كان عظيم الثقافة فيملأنا بها اما اذا كان حكيما فهذا ننتخب. والحكمة ليست بهلوانية معهودة في بعض الاوساط لأنها تقوم على الصدق ولئن قامت على اللين ايضا. المسؤول له احيانا بالكلمة الحلال ان يرضي احدا ولكن ليس عليه ان يكسر القصبة المرضوضة لأنك في الحب تشفي كل شيء.

                      غير ان الحكمة الطاهرة عند المسؤول ان يكون مثقفا اي ان يكون عقله قويا ومتجليا بآن. وهذا هو العمق الذي يميز الثقافة عن مجرد تكديس المعلومات فالدماغ ليس فقط خزانة ولكنه حركة بحيث يتداخل فكر الرئيس وأفكار الناس إن كانوا مخلصين والرئيس لا يرث المحيطين به ميراثا ولكنه يختارهم اختيارا ليكونوا على صورة طهارته وصورة حكمته.

#               #

#

                      كيف يتصرف الرجل في بلد متعدد الثقافات والأديان ومذاهبها؟ التعدد الذي يتغنى به اللبنانييون ليس كله حسنات اذ لا قيمة له الا بالتحرك نحو الوحدة والوحدة ليست في ان اكون مثيلك في كل شيء ولكن أن أصبو الى محبتك في النقاش الذي تقوم عليه الحياة السياسية بغية ارتقاء الجميع الى وجه لبنان الجديد.

                      في هذه الرؤية انت اخي ولست مثيلي. كيف نتلاقى على ما يجمعنا في الحق وليس في الخطايا التي تُباعد بيننا. في مقاربات الوجود واذا نأينا عن التباسات الوضع الحاضر وظروفه هناك بشر صالحون وبشر طالحون وهذا في كل طائفة. أليس أساسيا أن تنشأ «الأمة البارة» كما يقول الكتاب المقدس المؤلفة من كل فرد جميل في اية طائفة، وهذه الأمة البارة تخترق كل الطوائف لتكون قلبها المحيي؟

                      الطوائف تتلاقى بالناس الطيبين ولا تقوم الحياة المشتركة بمقابلة كتب مقدسة ولكن بتلاقي الحُسْن والحُسْن من كل شرائح الأمة. لم ألحظ ان شعبنا يتساجل بسبب من كتب ولكن بسبب من التحام القلوب. انت تستقي الخير انّى وجدته وتتعامل. انا لا أعرف حدثا جرى بسبب من مقابلة الأديان. المشاكسة تفرزها المنافع الخاصة او الجماعية ومن تسييس الفكر الديني، والطوائف عند المصلحة تنقلب احزابا. وقد تكون هذه راقية ولن يقنعني احد بأن الاختلاف ينقلب خلافا يصل بنا الى العداء او القتال. انه من نافل القول ان نذكر بأن هناك مَن تَقاتَل في الدين الواحد والمذهب الواحد. انت لا تعادي احدا ما لم تقتلك شهوة السلطة لأن هذه هي عشق الأنا الساعية الى إلغاء الأنا الأخرى حتى الإبادة.

                      وهنا أتوجّه الى المسيحيين الذين اقرأ على أقلامهم انهم في تهميش. ربما كان هذا صحيحا الى حد بعيد ولكنه خطاب سياسي. ان محبة المسيح عند هؤلاء الإخوة تصحح الوضع السياسي او تعطيه نفحات. واذا صارت الكتلة المسيحية عظيمة في حبها للإنسان اي لكل انسان في هذه الأمة فهذا يغير الوضع السياسي. المسيحي دائما ينطلق من المسيح لا من حساباته. تهمه نوعيته الخلقية التي تغيّر كل شيء. انا لا أنكر على الجماعة المسيحية في المقولات او الاوضاع السياسية ان تضرب التهميش وتحل العقد المرتبطة به. السياسة لها رتبتها في الحياة ولكن هناك حياة الحياة التي هي الخالق العظيم الذي نرتقي به في الصالحات وطيب الأماني لكل مخلوق.

#                   #

#

                      ليست مهمة الرئيس ان يرفع وضع المسيحيين وحدهم وهذا ما لم يفعله رئيس، ولكن عليه ان يرفع الغبن الذي يحل في كل شريحة، كما ليس عليه ان يحيد عن ابناء دينه ليتظاهر بالعدل. هو رجل العدل لكل قوم ولكل فرد.

                      ومع العدل له ان يتحسس وضع المسيحيين في الشرق العربي بحيث يرفع عنهم كل ظلم او تجاهل اذا حلّا وبحيث يبقون خميرة كما اوصاهم بذلك المعلّم. وكما أسهموا إسهاما كبيرا في بناء الحضارة العربية من بدئها حتى عصر النهضة وربما الى ايامنا، يريدهم الطاهرون في الاسلام اليوم ان يظلوا عاملين في تقدم الشعوب الإسلامية او في هذا التناضح الحقيقي في الهلال الخصيب.

                      ومن باب تدعيم المسيحيين رفع شأن الموارنة الذين يحملون في عروقهم وأعصابهم التعلق بلبنان. لا أريد مقارنة بعد ان تلبننت عائلاتنا الروحية كلها منذ عهد الرئيس فؤاد شهاب بخاصة. هذا لم يبقَ موضوع نقاش او شك. ليس لي انا ان أصف حسنات الموارنة. انا منتصب في الصلاة من أجلهم حتى يُبعد الله عنهم كل شقاق في المجال الوطني ويحميهم في التقوى التي أعرفهم عليها منذ طفولتي. وهذه يشددهم فيها مقدسون ليسوا قلائل. غير ان دعائي من أجلهم هو ان يتراصّوا في الحق والبعد عن الفرقة لنحلو جميعا بما يصيرون اليه من بهاء.

                      هل كانت هناك مارونية سياسية أصابت شرائح من أديان مختلفة ام لم تكن؟ ليس المجال للتحدث عن هذا، ولكني لم اسمع برئيس تحزب للموارنة. هو رئيس لبنان وكلنا حوله اذا جاء، وشخصيته إن كانت قوية لها ان تملأ الفراغ الذي أحيط به وليس عندي صيغة لإحقاق ذلك. الأقوياء لا يحتاجون الى صيغة.

                      ايها الرئيس المنتخب امس او الآتي احكم بهذا او بما تراه صحيحا فيما قلت بهذه السطور، ونحن وراءك لنشدّ أزرك ونجمّل أنفسنا بالخصال الحميدة التي نرجو ان تتسربل بها. تكلل بمجد لبنان حتى نفرح بك كما نفرح بلبنان. كن عاليا جدا جدا فيحاول اهلنا ان يقتدوا بك وينجوا من خطاياهم فيصبح بلدنا عروسا يختارها الجمال.