هي تعني اولا الحرية الدينية بمعناها الشامل (التعليم، العبادات، نشر الكتب، الإعلام الديني) كما تعني الحرية النقابية وحرية التظاهر وتأليف الأحزاب وما الى ذلك. هل لله كلام في هذا؟ ليس من حديث مباشر حتى عن الحرية الدينية في الكتاب المقدس. بالعكس هناك كلام عن الاضطهاد والصبر عليه. ولكن في الرسالة الى اهل رومية حديث عن ان الحاكم انما أقيم من اجل الصلاح وفي سفر الرؤيا نيرون ورقمه 666 يسمى الوحش. هناك اذًا رفض للظلم دون ان تطلق دعوة لإزاحة الظالم عن طريق التمرد.
ولكن التاريخ المسيحي منذ القديم يتحدث عن احتجاج المسيحيين على الاضطهاد عن طريق رسائل مرفوعة الى الملوك. وبعد هذا نجد، بين الفترة والفترة، من وبخ الملوك. ولما اخذت الديموقراطيات تظهر، بخاصة، مع الثورة الفرنسية انتقل الحكم من الملوك الى الشعب بواسطة نواب ينتخبهم وحكومة تنبثق عن النواب ويمارس عليها المجلس الرقابة. نحن لا نقول ان الله يأمر بالديموقراطية. هذا غير مكتوب ولكن هذا هو التعبير الطبيعي عن الحريات التي تحترم كرامة الإنسان وتعطيه حق التعبير عن فكره والتزامه. فصارت الانسانية مقتنعة مع تطور الأزمنة ان الحرية اقرب الى الفكر الإلهي من القمع، ذلك ان احدا لا يحتكر المعرفة فتتواجه الأفكار في البرلمان والندوات السياسية والأحزاب والصحف. وبسبب من التنوع يتناقش الناس على رجاء الوصول الى الأحسن.
هذا لا يعني ان الأكثرية على حق. ولكن الأكثرية يمكن في المناقشة وفي تغيير النواب ان تصبح أقلية. وهكذا تحتك الأفكار والمواقف وبسبب هذا التشاور البرلماني يجوز ان يمر الحل الأصلح في ظرف معين.
ضد هذا الاستبداد من اية جهة أتى. اجل في الديموقراطية او في نظام مستبد يمكن ظهور المصالح الشخصية والهدر والرشوة وما الى ذلك. كل نظام يمكن إفساده ويمكن قمع بعض الناس في الديموقراطيات بطرق غير ديموقراطية. ولكن في ظلها لك حظ في إصلاحها وذلك ضمن انظمتها في حين انك ان هدمتها لتأتي بنظام مستبد تضيق فسحة الحركات المطلبية والتغيير ويكثر الظلم.
فقضية الحريات مرتبطة الى حد كبير بالأشخاص. هناك حكام يحبون الشورى وحكام لا يحبون الشورى. وهناك تأثيرات من الخارج تبطل فعليا الديموقراطية التي عندك.
ليس اذًا ما يضمن حسن سير الديموقراطية نحو الحريات. في الأخير الحاكم الصالح ليس هذا او ذاك ممن يأتي بهم النظام. ان الحاكم الصالح من أتى من اخلاقه. فلا يضمن حريتك الا من آمن انه في حاجة اليك لكي يكتمل بك. فالاعتراف بالحريات هو الاعتراف بأنك لا تعاقَب اذا اخطأت ولكنك تخسر الجولة في عالم السياسة.
من احس بجمالات الحرية في ممارسة دينه او حياته الاجتماعية وأحس انه ينمو ويبدع لا يمكن ان يقبل بالظلم. طبعا هناك شرط اساسي الا نقتل واحدا من قوى الأمن ولا حاكما مستبدا. لك فقط الوسائل السلمية، التجمع، القوى الضاغطة، الكتابة. ان تقبل الظلم – ايا كان – افضل من الاعتداء على اي مسؤول كبير او صغير.
اجل هذه الحريات ليست تلك التي قال عنها يسوع: “تعرفون الحق والحق يحرركم”. ولكن الظرف الطبيعي الذي يؤهلك للنمو الروحي هو السلام. الحريات كما تعاش في البلدان الراقية هبة من الله، هذا اذا كانت صادقة وتمتع بها الناس كلهم واذا أريدت للشعوب جميعا.
