الجسد للإنسان دون غيره من الأحياء. وهو في الفكر العبري جزء أساسي من الكيان البشري. وبهذا ليس مجرّد مادة. وهو يحتوي العقل والروح. لذلك يجب أن نرى الارتباط بين كل مكوّنات الإنسان حتى نتمكّن من التحدّث عنه. هذا يقودنا الى الصحة والرياضة البدنيّة او الظاهرة كذلك والى مسابقات الجمال.

الصحة وديعة إلهيّة ونحن مسؤولون على الحفاظ عليها وتنميتها: «ليس أحد يبغض جسده قط بل يربّيه ويقوّيه» (أفسس 5: 29). كل شيء من الله وكالة. فالجسد لله ونحن نرعاه من اجل الله صاحبه. نحن لسنا أصحابه لنفرط به. عهده الرب الينا لكي نحضره له سليما، معافى. لذلك لما رأى باسيليوس الكبير بعض الرهبان يهملونه كتب اليهم انهم مدعوون لاستخدام الأطباء قائلا ان إهماله بادّعاء ان الله يرعاه مباشرة يشبه من يزرع زهرة ولا يسقيها. اجل لا يتنازل الله عن رعايته ولكنك مسؤول عن تغذيته.

طبعا هذا يطرح مسائل عديدة لم يتفق علماء أخلاق الحياة عليها. هل تهمل العناية الطبية الملحّة اذا كنت قريبًا من الموت؟ لا أحد يعرف ساعة الموت وأنا أميل الى ما يسمّى عند الفرنسيين acharnemet médical  الا في حالة اليأس الشديد من الشفاء. هذا لا ليس انتحارًا ولكن يجب التأكّد من ان الوضع البدني أدرك حالة اللارجوع الى الصحة هذا يقرّره الطبيب لا المريض اذ المريض لا يستطيع ان يشخّص حالة اللارجوع.

هذا يطرح ايضًا سؤال الموت الهنيء حيث نقرّر قتل النفس بسبب من الأوجاع الكثيرة التي يعسر علينا احتمالها. كل علماء الأخلاق متّفقون على نبذ الموت الهنيء الذي هو في حقيقته افتعال الموت اي الانتحار. ذلك ان الألم مهما اشتدّ يحتمل إمكان الشفاء من جهة ولأن النفس البشرية في هذه الأحوال الصعبة لها حياتها الخاصة، فيها فكر وتواصل وصلاة. والوقت الباقي للإنسان المتوجّع وقت يمكن قضاؤه لقول أقوال عظيمة وللتوبة. وهذا الوقت متروك لله يملأه بأجمل ما عنده من نِعَم. ليس البدن الغارق في الآلام يملي علينا إنهاء الوجود. لو كان البدن شيئا محضا لا علاقة له بكياننا الروحي او هو فقط ملتصق به آليا لأبحنا هذا النوع من الانتحار ولكن الإنسان وحدة متكاملة يتفاعل فيها الجسد والنفس وهي الذات الداخلية لقلنا اننا أسياد على إفنائه ولكن قد تؤذى به النفس العاقلة والمحبة ونكون قد اتخذنا قرارا عن الله في وديعته.

أن تدع نفسك في المرض دون استشفاء خطيئة لا ريب في ذلك. بسبب خطأ الإهمال هذا قد نعرض الذات للانهيار او الموت ولا نبقى أمناء للوديعة. المهم الا تعالج نفسك بنفسك والا تشخّص الداء فقد لا يكون الرشح مجرّد رشح ولكن إصابة رهيبة في الرئتين. لا تعالج قياسًا على داء شبيه حلّ بك ولا تصف لنفسك دواء ولا تشتر دواء بلا وصفة من طبيب. كل هذا إهمال وانتحال صفة. وبخاصة لا تداوِ نفسك بما يسمّى الطب العربي او على كلام متواتر من الأجيال السابقة. هذا كله فيه تهوّر.

الى هذا فالصحة تقتضي غير الأدوية. هناك حالات كالفالج او الفالج النصفي او عجز في العظام او ضعف في العضلات كبير تحتاج فيه الى علاج فيزياء ومنه التدليك واستعمال بعض الأشعة وكثيرا ما كانت منقذة.

من الصحة الرياضة البدنية وأهمّ ما فيها المشي والسباحة وهما كفيلان في أحيان كثيرة بدعم للعافية قوي بما لهما من تأثير مباشر على قوة العضل والدورة الدموية والنشاط وما الى ذلك. واذا كان لديك وقت فهناك ألعاب ككرة القدم وكرة السلة مفيدة جدا والا فالمشي والسباحة كافيان بتقديم صحة قوية لك جسديا ونفسيا.

عند الشيوخ التمارين البدنية نتخذها باعتدال اذ لا يجوز عند المسنين التحرك العنيف. وفي مجال الرياضة بعامة الإفراط مضرّ. الا ان ثمّة احترافًا للرياضة بمعنى ان الدولة او الأندية الرياضية تخصص شبابا براتب لا يتعاطى مهنة أخرى ويكثر من التروض كل يوم.

سواء كنت محترفًا أم لم تكن الخطيئة الا تجعل الرياضة شغفا يشبه التدين. فلا تعبد جسدك ولا جسد الأقوياء. التظاهر بالقوة والجمال الذي تعطيه وثنية ولو كانت مهنتك الرياضة لتمثيل بلدك.
# #
#

غير ان البدن ليس فقط بدنا محضا في حقل الجراحة التجميلية التي تُجرى للنساء بامتياز. عمليات الأنف كثيرة اذا كان ضخما. لماذا لا يكون ضخمًا. عمليات الشفاه وأعضاء أخرى معروفة لماذا لا تبقى كما جاءت من حشا الأم؟ وقد لا يناسب ان أتكلّم على مواضع في الجسد اخرى. التدخل الجراحي أراه فيها شيئًا تافهًا: ما القصد من كل ذلك سوى إذكاء الشهوة عندالرجل وكأن المرأة المتزوّجة قائمة لإشباع رغباته او كأنها تعترف بأن كيانها الروحي والفكري والثقافي غير كاف للاحتفاظ بالرجل. او كأنها تفتش عن عرض الجمال غواية.

قد تقول المرأة انها تقوم بذلك لإرضاء نفسها بالجمال لكونها لا تتقبل ان تبقى على شيء من القبح. السؤال هو لماذا لا تتصالح والقبح او بعض منه. لماذا القبح قبيحًا؟ الشخصية الرائعة روحيا او فكريا لا تحتاج الى غير البهاء الداخلي الذي هو قوة جاذبية تؤثر في الرجل السويّ تأثيرا أعظم. المرأة التي شذ أنفها او غير أنفها عن المألوف كائن كامل. والقبح والجمال في الرجل والمرأة واحد عند الله. قيل لي ان بعضًا من الرجال يُقبلون أيضا على عمليات تجميل. هؤلاء أشدّ من النساء سخافة. مَن لا رجولة في فكره وقلبه ليس عنده رجولة. ومهما يكن من أمر لا يقدر امرؤ ان يطهّر نفسه ليكون بل الله مظهره والجمال الحق أعني جمال الكيان الإنساني العميق ينزل عليك من فوق. غير هذا باطل وباطل الأباطيل.
# #
#
أخيرا أجيء الى مسابقات ملكات الجمال. هو تمييز بين اللواتي يتقدمن الى الامتحان. وهذا فوز واحدة على المتسابقات وليس على كل صبايا البلد. ولست اعلم في المستوى العالمي ان كان النفوذ او السياسة لهما دور في الاختيار. أعرف ان هناك مقاييس دخول، عرض، أناقة، فهم وما أشبه ذلك وما من شك عندي ان الجمال هو الغالب في الاختيار.

ما معنى ان تتباهى الملكة بتفوّقها؟ ما تأثير ذلك على تواضعها وتواريها؟ كل امرأة سليمة العقل، طاهرة، كاملة عند الرب. لماذا اذًا الانحصار في الجمال لتبيان الفضل؟ في الأخير ما فضل الجميلة على القبيحة في الحيّز القيمي وكل المسابقة تقوم على أمور رقمية في البدن. ما البدن وحده؟ هذا انزال الذات الى اللحم ويخدع المتفرجون بسؤال واحد في الذكاء قد يرجح منزلة احدى المتفوقات.

مسابقات الجمال طبعا صنع الرجال الساعين الى جسد المرأة ولو كانت لجنة الحكم مختلطة بين الرجال والنساء. كذلك خياطة الازياء العليا haute couture كما يسمونها صنع الرجال ما عدا استثناءات قليلة مستجدّة. «باطل الأباطيل، كل شيء باطل» وأوّل الباطل في هذا الحقل، الأزياء.

لست أريد أن أستفيض في موضوع الزي. لقد زالت الحشمة من بلادنا ومن غيرها. التعرّي او شبه التعري يطرح سؤالا على المرأة. اذا كان على الأرض جسدك لغة بينك وبين زوجك فلماذا تخاطبين به رجلا آخر. واذا كان موضع حب وارتقاء بشري في زوجيّة مقدّسة ألست تقيمين زوجية غير مقدّسة؟ واذا قلت ان هذا العري يحلو لك، أسألك بدوري لماذا يحلو ولا يحلو التستّر. انا وايّاك مختلفان اذًا على القيم وليس على البحث في الطول والقصر.

تقولين ما فكّرت في الإثارة. أخذت هذا عن مجلات الأزياء. وانكِ لم تفكّري بالسوء. مأخذي عليك انه كان يجب ان تفكّري. هل عقلت أن الجسد ليس قيمة مطلقة وان الإنسان بكماله قيمة مطلقة وان الفكر أعظم من البدن والروح المقدسة أعلى من الفكر.

للجسد قداسة ينبغي أن نكتشفها لئلا نصبح خلائق بلا فكر، بلا قلب، بلا روح.