الشيطان يقال له باليونانية diabolos (ذيافولوس) أي الذي يقسم الناس في ما بينهم ويزرع الفتنة. والفتنة في العربية الثورة بحيث يقوم الناس على الناس. وهذا يبدأ بسوء الظن، وقالت العرب: «بعض الظن إثم»، وأنا أقول كل الظن إثم ذلك لأنك تتلقى من بعض القوم أخبارا عن الآخرين، فيقال لك هذا كذب مثلا أو هذا سرق، وما لست متأكدا منه تجعله حقيقة. ويضاف إلى هذا تعصبك للعائلة، وقد تكون لهذه خلافات قديمة فترثها أنت. وهذا منتشر في المجتمعات الصغيرة التي لا تقبل فيها عشيرة عشيرة أخرى.
هذا طبعا يطرح على الراعي سؤالا كيف يوفق بين نزعات مختلفة حتى لا تتحول إلى نزاعات وأحقاد صريحة أو مبيتة. تتفحص أنت بعين المحايد الغريب ولا ترى شيئا وتحس بأن البغض قائم بلا مبرر. وقد قال الكتاب: «انهم ابغضوني بلا سبب» (مزمور 35: 19). وإذا انتشر هذا الشعور بين أبناء الكنيسة تصبح هذه مشتتة، مفتتة. والذين هم إخوة في المسيح لا يستطيعون ان يتفاهموا على مشروع أو عمل، وترفض أنت فكر الآخر لمجرد انه ينتمي إلى بيت آخر. ويقضي المسؤولون في الكنيسة وقتا طويلا ليحلوا النزاعات ويقيموا التوازن، والتوازن مستحيل ان لم تتحد القلوب وتتجاوز صراعات قديمة ولا نتقدم معا فتبقى الأشياء في محلها في حين ان الرسول الإلهي بولس قال: «تمموا فرحي حتى تفتكروا فكرا واحدا ولكم محبة واحدة بنفس واحدة مفتكرين شيئا واحدا لا شيئا بتحزب» (فيلبي 2: 2 و3).
كم أتمنى الا يعترضنا التحزب في القرية دون تشكيل مجالس الرعية وسيرها. أكثر من مجلس استغرق مني تشكيله عدة أشهر لتتوافق العيل. كم من وقت نحتاج إلى إقناع المؤمنين ان كلاً منهم شخص كامل ويعيَّن في المجلس بسبب حسناته وتقواه ورقيه وليس بسبب من انتمائه إلى احد البيوت. ما من شك اننا في حاجة إلى ان تمطر السماء علينا نعمة كبيرة لئلا نسعى إلى توازن عائلي بل نسعى إلى تجمع ناس فاضلين أمناء قادرين ان يسندوا الرعية بخوف الله. انتسابك إلى عائلة لا يعني المسيح شيئا. في عينيه أنت انتسبت إليه بالمعمودية، وتبقى له بالإيمان أأتيت من عائلة كبيرة أو صغيرة، راقية كثيرا أو أقل رقيا.
بعد اكتساب عضوية المجلس أنت لا تعظم. تبقى كما كنت. والعضوية ليس فيها وجاهة بل فيها خدمة، والخادم متواضع ولا يفتخر ولا يتسلط على أحد، وقبل كل شيء يظل أمينا، وأهم وجه في الأمانة، الأمانة على المال لأن هذا مال الله، والكاهن والفقراء في حاجة إليه. ولهذا لا بد من مسك دفاتر على الطريقة العلمية حتى تتمكن المطرانية من مراقبتها. المحاسب، أيّ محاسب يصعب عليه ان يعرف المختلس الذكي. ولذلك بنيت علاقتنا على الثقة. فلو، لا سمح الله، عرفنا سارقا فالواجب الأخلاقي يقضي بأن نشكوه لنا. من سكت عنه يكون شريكه.
لا وقف يمكن ضبطه بصورة كاملة. ولذلك إذا اقترحت عائلة أحدا منها عضوا ليخدم معنا فلتقترح من كان نزيها كليا وفهيما بحيث يستطيع ان يناقش بتهذيب وروح مشاركة وهدوء.
يتعبني ان اكرر هذه الأمور ولكني أرى من واجبي ان انبهكم إلى ضرورة الاستقامة الكاملة وفحص الأمور بروية وان يصلح الروحانيون الآخرين بروح الوداعة لئلا يهلك احد. وهكذا تكونون في الرعية وفي المجلس طردتم الشيطان المفتن من وسطكم.
لا شيء يصلحنا يا إخوة سوى المحبة التي تتوخى كمال الجميع والكمال بالتكامل والرفق والتأني وسلام يقصي الحدّة ويجعلنا متكئين على صدر المعلم. فليعمل من استطاع ان يعمل، إذ لا يقدر ان يعمل شيئا من لم يكن كبيرا في المحبة. ولا يتساوى مع غيره الا من غفر ولم يحفظ ضغينة وكان شأنه ان يرفع قدر الآخر. انه لمهم جدا ان نُظهر أصحاب الفضيلة بيننا وان نجعلهم المتقدمين في كل شيء. وإذا أقصينا الفتنة يحل الرضا الإلهي بيننا ونكون أبناء الله. الوحدة، الوحدة. هي التي تعطينا العزيمة وتنجز المشاريع وتكشف للناس وجه يسوع.
