اليوم الذي نحن فيه هو الأحد الذي قبل عيد رفع الصليب. الرسالة والانجيل مليئان بمعنى العيد وبأعماقه. القول البارز في الرسالة الى اهل غلاطية هو: “اما انا فحاشى لي ان افتخر الا بصليب ربنا يسوع المسيح الذي به صُلب العالم لي وانا صُلبتُ للعالم”. اننا اذا قبلنا خلاص المسيح يكون العالم بما فيه من شر مصلوبًا عندي، ملغى، ميتًا ولا شركة لي معه. كذلك أصير انا مصلوبًا عند العالم، اي يعتبرني أهل هذه الدنيا الأشرار والمرتكبون الشر على اني ميت، لا فهم لي ولا إحساس. الذين هم للمسيح قد يكونون يهودًا وقد يكونون من الأمم. لا فرق لأنهم بالمسيح يصبحون على انتماء جديد، يصيرون خليقة جديدة.
ثم ينهي بولس رسالته الى اهل غلاطية بقوله: “اني حامل في جسدي سمات الرب يسوع”، والسمات او العلامات التي يشير اليها الرسول هي الآلام التي تكبدها ويصفها في رسالة اخرى ولعله يتكلم عن مكافحته للخطيئة.
اما القراءة الثانية فاقطفنا لها فصلاً من إنجيل يوحنا، ويوحنا أفصح من تكلّم عن معنى موت السيد. يبدأ المقطع بالكلام على الآتي: صعود المسيح الى السماء (من بعد موت وقيامة) انما كان من بعد نزوله اي التجسد. وهو، مع كونه تجسد، بقي في أحضان الآب. الذي سكن أحشاء مريم كان في الوقت نفسه مالئًا الكون. ثم يتحدث عن رفع ابن البشر اي عن موته. ثم شبه الإنجيلي رفع المسيح على الخشبة الى رفع موسى الحية النحاسية على سارية في البرية “فكان اي انسان لدغته حية ونظر الى الحية النحاسية يحيا” (عدد 3: 9). الفكرة ان من ضربه الشيطان بالخطيئة انما يُشفى اذا نظر الى المصلوب، “لكي لا يهلك كل من يؤمن به” (اي لكي لا يهلك اي من يؤمن به بل تكون له الحياة الدائمة).
بعد هذا تأتي الجملة المحورية: “هكذا أحبّ الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد”. هذه قمة المحبة الإلهية. بعد ان كان الله يفتقدنا بالأنبياء، افتقدنا الآن بذاته اذ أرسل ابنه الحبيب لكي يكشف لنا سر محبته بالموت. الإله يأتي بكل قدرته ومحبته القائمتين في الابن ويدخل بهما نطاق الموت فيدمر الموت من داخله. اذ عندما دخلت الحياة الإلهية الى ما هو ضدها طردت البشاعة الروحية وحلّ محلّها الجمال الروحي واستأصلت الشر من قلب الانسان لما عرف انه حبيب الله. هذا هو سرّ التوبة انك لن تعود تتكئ على صدر يسوع الا اذا عرفت انك حبيبه. واذا دخل الحب العالم لا تبقى علاقة المسيح بنا علاقة ديان بل علاقة مخلّص.
المخلص تعني انه الذي يعتقنا – إن آمنّا به وارتضيناه سيدًا علينا – يعتقنا من الخطيئة. الفداء في لاهوتنا هو التحرير. لست انت بعد تحت وطأة الخطيئة وتكبيلها وعبوديتها. انت انسان جديد وهبك الرب موهبة التجدد بنعمته من بعد كل سقطة.
لهذا اليقين ينبغي ان نتهيأ للعيد المقبل علينا الأحد القادم.
