هل لي ان أحلق فوق استقالة الحكومة لافهم قليلا ما جرى في عمق النفس عند المحتشدين في ساحات بيروت؟ مجرد محاولة للفهم ابتغاء استشراف. من الواضح كثيرا ان شبيبتنا ابدت شجاعة غريبة ازاء الخطر الذي كان يهددها. هناك أكثر مما سمي تساهل الجيش ازاء المتظاهرين. هناك الجيش آمن بانه يستحيل على ضميره اهراق دم لبناني وان في نفس الشبيبة تعلقا بهذا الوطن شديدا قد يفتح صفحة في تاريخنا واعدة. هل بعد انقضاء الاحداث تبقى الوطنية اللبنانية لحمة شبابنا، هدايته من الانتماء الطائفي السياسي الى وجه لبنان الواحد؟ التاريخ ينشأ احيانا من حدث والحدث إذا راج ينشئ شعبا ذا تطلعات جديدة ونوعية تكثف الوجود.
هل نحن شهود على ولادة وطن جديد مؤمن بانه يأتي من القيم ومن وحدة ابنائه الراسخة في القيم رغبتنا في دولة مستقيمة ورقي شعبنا المؤسس من جديد على تربية قوامها الصدق والعدل في دوائر الحكم والتعامل المجتمعي.
اما «الحق الحاضر» الذي يدعونا العهد الجديد إلى الثبات فيه فهو انسحاب الجيش السوري إلى البقاع أو الحدود أو ما بعد الحدود في إطار التحرك الاقليمي أو الوضع الدولي أو كليهما. غير ان الواقع لا يحتمل التسويف ولا تأويل النصوص ولا التذاكي. شيء ما يجب ان يحصل سريعا يتمايل بين الطائف والقرار 1559. لقد انتهى العهد السوري في لبنان. جل ما يبقى ترتيب انحساره او اختفائه بأجمل ما تكون عليه اللياقات. وتلعب لعبة اللياقة إذا كنت انت اياك وانا اياي بحيث يلازم كل اخ بيته ويقوم بزيارات الحب لأخيه عند احتدام الشوق.
ان الذكاء الشامي مدعو الى ان يقرأ ان مرور خمس عشرة سنة على طائف تجمد لا يطوف يكون قد فرغ من حقيقته لأنك تكون أطلقت صفة القدسية على نص يرتجف ككل نص غير منزل. معنى هذا الكلام ان الشعب اللبناني اختزن خلال هذه المدة الطويلة طاقات تفجر يجب التعامل معها واننا تاليا في دينامية ظهرت حقا في ساحة الشهداء وساحة النجمة لا يمكن تعميتها. انت يجب ان تقرأ لئلا ترمى خارج التاريخ. والقراءة البسيطة هي ان نريد علاقات حب متزن، عميق يحفظ لكل حبيب كرامته.
ان استراتيجية السلام التي نحن منها مع سوريا يجب ان يؤيدها العرب تأييدا فاعلا لنبقى نحن والسوريين صامدين معا امام اسرائيل كل في حدود بلده اي ليظل كل من البلدين يسير اموره الداخلية وفق تراثه وتنظيمه القانوني. نحن قراءتنا للأمور ان لا مبرر اطلاقا للحضور السوري عندنا حتى السلم في المنطقة لان هذا لن يأتي قبل حلول كل العقد القائمة بين تل ابيب والسلطة الفلسطينية وهذا قد يستغرق سنوات طولى ينفد فيها صبر اللبنانيين ولا تكسب دمشق به شيئا. ليس من مشكلة امنية عند الجارة الكبرى ولن تكون بانسحابها. كذلك لن يهدر لبناني دم لبناني آخر بلا تدخل خارجي. لقد فهمنا اننا لن نخوض حرب الآخرين على أرضنا إذا كنا مصونين دوليا. والكلام الذي يقال اليوم ان لبنان أمسى في صميم هموم الامم لاعتقادنا انه نموذج حرية لكل هذا الشرق. هذا يتطلب استقلاله الكامل في دنيا العرب وهو اليها ينتمي.
هذا يتطلب جمهورية اثبت البرلمان انه واحة حرية فيها ورجاؤنا ان تتوطد الحرية وتنمو في ظل قانون للانتخابات يتمثل فيها الشعب تمثيلا كبيرا في دولة مدنية روحا واسلوب عمل.
ما يعرقل تلاقي قلوبنا هو جهل التاريخ فلبنان لم يكن يوما سنجقا سوريا سلخه عن امه الاستعمار. للتذكير فقط لم تكن سوريا الحالية مستقلة منذ الألف الثالث قبل الميلاد حتى الانتداب الفرنسي ولم تكن متضمنة لبنان لينسلخ عنها. لقد انشئ هذا البلد بعدما اجتمع ابناؤه في وفد واحد في قصر فرساي واعطي – بعد مماطلة سنتين – شكله الحقوقي في أول أيلول السنة 1920. الدول هي في تشكلها القانوني. واما ان نكون حضاريا ومجتمعيا أقرب الدولتين احداهما الى الاخرى فهذا له تعابيره الحياتية والمعاملاتية في إطار تحدده النصوص وتبقى العاطفة عاطفة.
واما ان نبقى مع سوريا في علاقة حميمية خاصة، فريدة فهو امر نقول به نحن اللبنانيين ولا يقول به حزب البعث الحاكم الداعي الى امة عربية واحدة ذات رسالة خالدة بحيث لا فرق عنده نظريا بين قرباه من مصر او من موريتانيا وقرباه من لبنان.
أما نحن فحريصون على علاقة مميزة بالقطر السوري في رؤية براغماتية قائمة على اجتماع مصالحنا الاقتصادية وعلى مشاركتنا الثقافية. وإذا كان لكل بلد التماعات باهرة فهي تنفع البلد الشقيق. كل شعب منا مميز بفطنته والحكمة والمواهب. كذلك أهلنا في فلسطين والاردن. هذه الميزات الاناسية تيسّر التعامل ووحدة الحركة وإذا اقتربت الأنظمة كلها الى الحرية لا شيء يمنع ان نحاول وحدة ما في ما سمي بلاد الشام قد تكون شبيهة بالوحدة الأوروبية.
أنا واثق كليًا من ان السوريين الطاهرين لا يرون ضرورة لبقاء جيوش لهم عندنا لا تنفعهم ولا تنفعنا. أما الأمن عندنا فهو مسؤوليتنا أو صح قول القائل اننا لسنا راشدين. وإذا لم نكن راشدين فنحتاج الى رعاية أو وصاية ونحن، اذذاك، نختار الأوصياء. منطلق كل الكلام اليوم ان من رعانا رعانا مشكورًا وثلاثون سنة رعاية في حياة شعب كافية لبلوغه النضج.
مقولة احتضان شعب لشعب أو حكم لحكم تذكرني بما كان يقوله غاندي لمن سأله لماذا تكافح الانكليز قال لأني أحبهم، لذلك أريدهم ان يعودوا إلى بلادهم لأن إقامتهم في الهند تفسدهم. ان نمو السوريين وعظمتهم وبلوغهم أعلى مستويات الحضارة لا تتم الا إذا لازموا القطر السوري ملازمة حصرية حتى يمن الله عليهم بما هم يعتقدون به أي الوحدة العربية المحققة في كل الأقطار. أما نحن فلا خوف منا على أحد.
وحتى تسير الأمور سيرًا حسنًا فعلينا ان نحافظ على كل عامل سوري لا يزال يعمل بيننا. هذا لا علاقة له بالمشكلة السياسية وجاءنا ليرتزق. بسبب من ذلك وبسبب من انسانيته هو عزيز. وأنا مخجول جدًا مما سمعته من أذى لحق بهذا أو ذاك من العمال. نحن لسنا على خلاف مع أي شعب من شعوب الأرض كما لا خلاف بيننا وبين الحكم السوري إذا قرأ اتفاق الطائف كما نقرأه وأخذ يطبقه بجدية. هناك علاقة ثنائية لا بد من تصويبها الى ان نقتنع جميعًا أن الحضور السوري بات بلا نفع لأي منا وقد آن الأوان لينتهي بلا مماطلة ولا تسويف.
هذا اتجاه شعبنا كله في حقيقته. وإذا كان لسوريا صداقات لبنانية فهي تستطيع ان تعيشها من دمشق وأريد بها الصداقات الصافية الطاهرة. من هذه الزاوية ليس من بلد في العالم لا يعيش على درجة من الحرارة جواره. لسنا من هذا نشتكي. هذا ضغط الحب. غير ان الحب يهدده الشك أحيانًا. فلنرتب الوضع معًا غير مسائلين المبدأ خصوصًا ان القلوب قذف الله فيها سلامه.
