يدعى هذا الأحد هكذا إذ نقرأ فيه أسماء السلالة التي انحدر منها المسيح حسب الجسد. فهو ابن إبراهيم وابن داود وابن مريم, من هذه الأجيال التي كانت وحدها تعبد الله الواحد وتنتظر المخلّص حسب الوعد الذي قطعه الله لشعبه على لسان الأنبياء.
ومن قرأ أسماء الأجداد لا يراهم على الكمال الخلقي المرجو كما نعرف سيرتهم من العهد القديم, فإن المخلّص يجيء من هذه الطينة البشرية كما هي وآباؤه لا يولونه شرفا. إنه هو الذي شرّفهم بالخلاص. أما جدّات السيد فمنهن راعوث الوثنية ومنهن ثامار وراحاب وكلتاهما تعاطى البغاء. هذا ليقول الإنجيل أن مقاصد الله تخترق أوضاع الناس على شقائهم, وليقول أيضا أن طهارة يسوع هي من فوق.
النسب عند متى يبدأ بإبراهيم أبي المؤمنين. نحن إذاً مع المسيح في اكتمال التخطيط الإلهي القديم. النسب عند لوقا يصعد إلى آدم ليقول أن يسوع مخلّص الجنس البشري كله وليس مرتجى اليهود وحدهم, ليقول أيضا أنه ملك الإنسانية المتوّجة به.
وأخيرا يقول الكتاب في متى أن السيد مولود لعذراء ليوحي بأنه ليس مدينا بظهوره لأحد من البشر فإنه مبعوث الآب. المسيح يأتي من ابنة لداود. يؤكد ذلك بولس في رسالته إلى أهل رومية(1: 3). فما من شك على أن المعلّم اتخذ جسده من العبرانيين. وكل محاولة أخرى لجعله من الأمم لا أساس لها في النصوص وتقطع الصلة بينه وبين الكلمة الإلهية التي انسكبت على شعب واحد. المسيح “ملء الزمان” يحقق وعود قطعها الله على نفسه قديما. المسيح نهاية تهيئة. لم يخرج من عدم تاريخي. ولعل ذكر من كان قبل إبراهيم في رواية لوقا هو تأكيد على أن السيد ابن الوثنيين أيضا. أي أنه مصبّ الأمم جميعا ومصبّ خيراتها.
وأخيرا كان لا بد أن نشير إلى القولة:”ولم يعرفها حتى وَلدتْ ابنها”. طبعا لا شيء في اللغة يؤكد على أن فعل “عرف” يدل على العلاقات الجنسية. فقد تعني الآية أن يوسف لم يعرف قدرها أو قيمتها قبل مولدها. ولكن “عرف” قد يدل على العلاقات الجنسية كما ورد ذلك في استعمال سفر التكوين لهذا الفعل. عندئذ يكون المعنى أن يوسف لم يتصل بها قبل مولدها. بعد المولد لا يقول شيئا لأن متى غير معني في كتابه بوضع سيرة لمريم ويوسف. يهمل هذا الأمر ولا يؤرخ له.
في اللغة, الآية تعني الانقطاع الكامل للصلة بين يوسف والبتول ولا تعني بدء صلة بعد المولد. على سبيل المثال إذ سألتني: ماذا كنت تعمل أمس قبل الظهر؟ أجيبك مثلا: قبل الظهر كنت في بيتي. هذا لا يعني أني غادرت بيتي بعد الظهر. ولكن أنت كان اهتمامك بهذه الفترة من النهار.
موضوع أمومة مريم لأولاد آخرين مبحث مستقل لا علاقة له بسرد حادثة الميلاد في إنجيل متى. وكل نص ينبغي أن يفسَّر على ضوء تحديد المجمع المسكوني الخامس من أنها دائمة البتولية وتكرار عباداتنا لذلك.
في عباداتنا وعند آبائنا أن الميلاد عيد النور. هو ليس تجديد الذكرى لمولد على طريقة البشر الذين يعيّدون كل سنة لمولدهم. ما عيّد له المسيحيون الأولون ليس حدث المولد من بيت لحم, ولكن معنى المولد, أي أنهم فرحوا لانبثاق النور في تاريخ الناس, وأكدوا على أنهم يعاهدون النور.
