من أهم ما في إنجيل يوحنا ذكر النور. منذ مطلع الإنجيل نقرأ عن السيد: «فيه كانت الحياة والحياة كانت نور الناس» (1: 4). ثم يقول: «كان النور الحقيقي». وكذلك تأكيده: «انا نور العالم» (8: 12) وهكذا في مواضع أخرى.
اما أعجوبة الأعمى التي يتحدّث عنها إنجيل اليوم فتشير الى ان نور المسيح يعطى للأعمى ولتدل من وراء الحادثة ان العبرة الحقيقية من هذه الأعجوبة ان كل من فقد الحقيقة لا يعود إليها الا اذا اقتبل يسوع في حياته نورا.
يخصص يوحنا الإنجيلي اصحاحًا كاملا ليكلّمنا على أعمى منذ مولده فأخذ اليهود يسألون السيد: «من أخطأ أهذا ام أبواه حتى وُلد أعمى؟». فأراد السيد ان يقول لهم ان الانسان لا يرث خطيئة أبويه، وكأنهم لم يقرأوا ما جاء عند أنبيائهم اذ يقول حزقيال: «ما لكم تضربون هذا المثل على ارض اسرائيل قائلين: الآباء اكلوا الحصرم واسنان الابناء ضرست…ها كل النفوس هي لي. نفس الأب كنفس الابن. كلاهما لي. النفس التي تخطئ هي تموت» (18: 3 و4). ما يحزنني كثيرا اني اسمع في اوساطنا: «هذا طلع مثل أبو». هذا امر لا اساس له في معتقدنا.
ما يلفت في هذه المعجزة ان اليهود اخذوا على المعلم انه شفى في السبت. عندهم ان هذا عمل، والعمل ممنوع. هكذا شفاء يابس اليد يوم السبت عند متى. لم يفهموا ان غاية الشريعة هي الرحمة. كل الانجيل يوضح انهم عادَوا يسوع لأنه كان يرحم المرضى والخطأة. ونحن لسوء فهمنا للإنجيل قساة مع الخطأة، ونظن ان الصحة وحدها مكافأة من عند الرب. «شو عمل هذا؟ ما بيستاهل!» كأن حادثة مرضيّة عقاب إلهي. الذين يقولون مثل هذا القول لا يزالون يهودا.
سجال طويل بين الأعمى واليهود. يقولون له عن المسيح: انه رجل خاطئ واستنتجوا من هذه التهمة: «كيف فتح عينيك؟». الحادثة حصلت والاستنتاج المنطقي الوحيد منها ان يسوع هو من الله وان هذا الشفاء عمل الله. وبدل ان يعترفوا انهم امام اعجوبة وقد رأوها، اخرجوا الأعمى من طائفة اليهود.
نحن مع صدام رهيب بين السيد واليهود. هم قرروا ان يسوع الناصري لا يجوز ان يعترف به احد ولا يمكن تاليا ان يكون قد صنع معجزة.
غير ان الأعمى أبصر وبطلت اليهودية في نكرانها للمخلص. وآمن الأعمى وسجد للمسيح. وفي الديانة اليهودية ليس السجود لإنسان جائزًا. يسوع عند الأعمى اذًا اعظم من مجرد انسان.
هل نحن نسجد له في كل مواضع سيادته كما يقول قداس يوحنا؟ هل انت تعترف ان على عينيك غشاوة اذا اخطأت وانك في حاجة الى نور المسيح؟
