Category

2001

2001, مقالات, نشرة رعيتي

إعالة الكاهن/ الأحد 2 أيلول 2001 / العدد 35

ليس السؤال كيف يعيش الكاهن بل السؤال هو هل تحبه الرعية بمقدار كافٍ حتى تغنيه عن البحث عن معيشته. والكتاب يقول: «من يرعى قطيعا ولا يأكل من لبن القطيع؟» (بولس الرسول). أي لبن هذا؟ بولس نفسه يقول: «ان كنا نحن قد زرعنا لكم الروحيات أفيكون عظيما ان نحصد منكم الجسديات؟»، ويريد بذلك سبل العيش.

الفكرة مستندة إلى القانون الكنسي الذي يريد الكاهن الا يفتش عن أسباب رزقه ليتفرغ للتعليم والخدمة والافتقاد. فكر بولس ان المؤمن الذي يتقبل العطاء الروحي من راعيه يساعده على العيش الكريم. فإذا بخل عليه يجعله منشغلا بالمال ويفسده.

وإذا كانت الخدمة الروحية أهم ما عندنا فالأولية في الإنفاق هي للكاهن. انه لا يعطى الراتب الأدنى بحجة أننا نبني كنيسة أو نرممها. بوضوح ما بعده وضوح أقول ان معيشة الكاهن الكريمة هي أهم من كنيسة الحجر لأنها من كنيسة البشر. المشاريع الوقفية مستمرة في بعض الأماكن. وتشييد الكنائس يتطلب زمنا طويلا. في هذه الأثناء كيف يأكل هذا الرجل وكيف تأكل عائلته. أنا لا اعرف عيلة واحدة تقلل من طعام أولادها وأقساطهم المدرسية وطبابتهم لكونها تريد ان تشتري شقة أو ان تبني محلا. ما هو ثابت لديكم، أي أولية الطعام على أي مشروع آخر، هو ثابت بالنسبة إلى الكاهن أيضا.

ما مصادر العيش عند هذا الرجل؟ صار مألوفا عندنا منذ بداءة القرن العشرين ان للكاهن راتبا ثابتا وان المؤمنين يكرمونه إذا قام لهم بخدمة روحية. غير ان الخبرة عندنا تدل على ان القسم الأكبر من المورد ينبغي ان يتكون من الراتب. المؤمنون أحيانا يعطون قليلا. والأفراح والأتراح متغير عددها. تقل أو تكثر ولا يعطي موردها طمأنينة. هناك نزعة سيئة جدا عند بعض مجالس الرعية وهو قولهم: أبونا عنده كذا إكليل وكذا معمودية ليخففوا عن أنفسهم مسؤولية العطاء الكبير. وما يذهلني في تصرف البعض انهم يبخلون من مال هو ليس لهم ولا يبخلون على عيالهم.

القلة مقتنعة ان كاهنا له ولدان أو ثلاثة يحتاج إلى إنفاق ما تنفقه عائلة لها ولدان أو ثلاثة. هذا لا يخطر على بال الكثيرين وكأن هناك نزعة إلى وضع الكاهن تحت وصاية القابضين على أموال الكنيسة. وكأنهم يقولون انه «لازم يكون معتّر» حتى يتعلم التواضع. من قال انه لا يقدر ان يكون متواضعا بلا تعتير؟

ثم الأمر الأساسي الأخير هو ان تحديد المعاش هو بيد المطران بالدرجة الأخيرة لأنه هو القيّم على الأوقاف ووكلاء الوقف هم فقط مستشارون لديه. بدنا نتخلص نهائيا من هذا الكلام المهين للسلطة الروحية: هذا وقف آبائنا وأجدادنا. هذا غير صحيح. هم أعطوا، ولكن بعد عطائهم صارت هذه الأملاك في عهدة الكنيسة كلها وليس في عهدة العائلات.

أنا يحزنني جدا ان أواجَه بكلام كهذا: هذه قدرتنا. ما معنى هذا الكلام وفي كل رعية كمية من الأغنياء وأموال في المصارف. الصواني لا تعطي، يقولون. طيّب، إذا جاء إلى القداس بين 3 و 8 % من المؤمنين، أيعني ذلك ان الكاهن يجب ان يعيش من الصواني فقط وليس من المؤمنين وفق نظام اشتراكات مثلا؟

هذه الخطوط العريضة لسلوكنا هي ما يرضي الرب.

Continue reading
2001, مقالات, نشرة رعيتي

أغلاط الإرشاد الروحي/ 22 تموز 2001 / العدد 29

أول غلطة المبالغة في التشدد. أحيانا يرى الأب الروحي انه من المفيد ان يمنع المعترف من المناولة حتى يتثبت ان المعترف تاب. يستمع إليه أسبوعا تلو أسبوع حتى إذا لاحظ تحسنا فيه يعيده إلى القرابين الإلهية.

أما في الأحوال الاعتيادية فالحكمة ضرورية جدا. فهناك مثلا المريض المضطر إلى تناول أدوية عند الصباح يرافقها أحيانا لقمة خبز. ان جسد الرب هو للمرضى كما للأصحاء. أو يكون الابن الروحي غير قاصد المناولة صباحا ثم يشتاق إليها أثناء الخدمة. يقدّر الكاهن ما ينبغي عمله ازاء ذلك. هناك لين في موضوع الصيام. القوانين الكنسية ذات الطابع الانضباطي قائمة لخلاص النفوس. بيد الكاهن الفهيم ان يتدبر شأنها.

بعامة هناك فرق بين التعليم والإرشاد. التعليم نقدمه صارمًا. اما الإنسان الذي يقع في الخطيئة فنستعمل معه الرحمة. هذه تيسّر عودة الابن الشاطر. هناك حزم في اللوم على المعصية وعطف في انتشال الخاطئ من الجب.

يخطئ الأب الروحي إذا استهان بالخطيئة، إذا هوّن الأمر بحجة انه يريد إنقاذ الخاطئ. التخفيف من جسامة الخطيئة كثيرا ما يرمي المعترف في جب أعمق ويفسد تقييمه للأشياء. لا يقال مثلا: أنت كذبت والكذب منتشر، المرة الآتية كن أفضل. هذه مساومة مع الشر قتّالة. لا يقال لمتزوج: أخذتَ حريتك في السفر. أنا أفهمك. احفظ نفسك المرة الآتية. كلام كهذا فاسد جدا. ان تفهم هذا شيء، وان تعذره شيء آخر. الكاهن ليس محللا نفسيا ليدرك كيف جرت الأمور. هو معلّم الشريعة وهذه هي المنقذة.

المرشد يقابل الخطيئة التي تُذكر له بجمال الفضيلة التي لم تتوافر عند الابن الروحي، ويجعل الفضيلة جذابة، ويحاول ان يحببها للابن الروحي. من هذه الزواية، الكاهن يرافق ابنه الروحي بالكلمة الحلوة إلى وجه يسوع، ولا يتصرف كعسكري أو كمن فقد صبره. ينبغي الا تباغته أية خطيئة ولا يصدر عنه أي تأوه أو تنهد أو غضب أمام ما يسمع. كل إنسان، أيا كان، قادر على أية معصية. يستمع بعقله. يفهم سبب المخالفة وظروفها والضعف الذي قاد إليها. ويجابه لا بالتحليل النفسي ولكن بالكلمة الإلهية. لا ينبغي ان يلعب لعبة المحلل النفسي. التحليل ليس مهنته، والمعرفة القليلة به تقود إلى كوارث. أما إذا وجد حقا ان الابن الروحي يحتاج إلى طبيب نفسي فيقوده إليه.

إلى هذا فليس للكاهن ان يقرر شيئا عن ابنه الروحي. ممنوع عليه ان يأمره مثلا بالزواج أو ان يأمره بالترهب. قد يقول له: عندك أهلية للزواج، ولكن لا يحضه عليه كما لا يحضه على الترهب. والأخطر ان يقول له: هذه البنت ملائمة لك أو غير ملائمة. الأب الروحي لا يحمل مسؤولية نجاح أو فشل في الزواج. والأهم انه لا يحمل قائمة بالفتيات ليزوجهن لأبنائه الروحيين.

أيضا وأيضا أريد ان أؤكد ان الابن الروحي ليس عبدا للكاهن. هذا يصغي إلى من يطلب الإرشاد. وفي اليونانية كلمة طاعة مشتقة من كلمة الاستماع. غاية الإرشاد الأساسية ان نوجه المعترف إلى الاستماع إلى  كلمة الله حتى تُحدث هي فينا التغيير. إذًا ليس مِن تسلط على أحد. مرافقة مُحبة وفهيمة تجلب هي الطاعة إلى قول الرب.

Continue reading
2001, مقالات, نشرة رعيتي

في الإرشاد الروحي/ الأحد 15 تموز 2001 / العدد 28

ليس كل كاهن أبا روحيا. لذلك لا تسمح الكنيسة لكل كاهن ان يقبل الاعتراف. الكاهن الذي يحسب المطران انه بلغ درجة من النضج يعلنه أبا روحيا. في الواقع الكاهن الذي يكون وحده في الرعية يمنحه رئيس الكهنة هذا السلطان ويسميه أبا روحيا مع انه في بعض الأحيان لا يكون قادرا على الإرشاد. تبقى الفكرة الأساسية ان الكاهن لا يصير آليا -برسامته أو بهذه الصلاة الخاصة- أبا روحيا. هذه نعمة من فوق. المهم ان يعرف الكاهن حدوده. فإذا كان قليل المعرفة بالكتاب المقدس أو قليل الخبرة الروحية، الأفضل ان يكتفي بالحل وألا يرشد. عند ذاك يبقى الإنجيل خير مرشد.

التحصيل الديني العميق شرط لمعرفة الخطيئة ولمعرفة ضدها. وهذا يتوافر بقراءات كثيرة في مختلف فروع المعرفة اللاهوتية وفي الأدب النسكي إذا كان القارئ يميز بدقة بين ما يقرأه وما يجب ان يقوله في وضع المؤمن الذي يطلب الإرشاد. كيف ينتقل الأب الروحي من الذي طالعه إلى ما يجب قوله، هذا سؤال كبير. لا ينفع أحدا شيء ان نكرر له ما وجدناه في الكتب. لا يكفي ان نوجه إلى الصدق بل ينبغي ان نوضح كيف يعيشه مثلا المحامي أو التاجر أو المرشّح للنيابة. كيف تكون خصوصيات الفضيلة في كل وضع؟ لا يكفي ان ندعو إلى العفة. فالحديث عنها مع العازب شيء ومع المتزوج شيء آخر. فلا نجتر الكلام النسكي اجترارا وقد كُتب في معظمه لرهبان.

ما من إرشاد ممكن بمجرد التلفظ بكلمات أخلاقية اجتماعية مثل قولك: كيف بتعمل هيك، أو هذا حرام، أو أنت تصلي فكيف ترتكب هذه الخطيئة. من لا يستطيع ان يتكلم من قلب الإنجيل بكلمات يسوع ينبغي ان يسكت.

على مستوى أعلى، عندنا كاهن ذاق حلاوة الرب. لا ينبغي لهذا ان يقول شيئًا إلاّ من خبرته. إذا كان الكاهن رجل صلاة يمكنه ان يرشد إلى الصلاة. ومن كان فقط يؤدي واجباته الطقسية لا يستطيع ان يتكلم على الصلاة. ولكن لا يكفي ان يقول المرشد: صلِّ يا ابني. إذا كان لم يذق هو جمال الصلاة وفهمها ومحاربة الكسل فيها أو الشرود، الأفضل له ان يسكت. الكلام العام، الغامض لا يوصل إلى شيء.

أيا كان الأب الروحي هو يقدم نصائح ولا يعطي أوامر. لا يلغي شخصية المعترف أو المسترشد. هذا ليس عبده. انه ابنه أو أخوه. المعترف يجب ان يبقى واعيا، مميزا الأشياء لكي يظل منتعشا روحيا. لا نعامله كما نعامل مبتدئا بالرهبنة. الأب الروحي لا يضع الناس في قوالب. له ان يكون متشددا أحيانا وليس في كل حين وان يبقى رقيقا، عطوفا في كل الأحوال.

تكريم التائب لأبيه الروحي لا يعني انه يقع في عبادة الشخص أو انه لا يرى نفعا في سواه. وإذا رأى انه لا يستفيد كثيرا يتركه بعد استئذان. والأب الروحي ينبغي ان يحلّ من هذا الرباط الذي يطلب فك الرباط. يجب ان يتصور المرشد ان ابنه الروحي قد يجد مرشدا آخر. الأب الروحي لا يقع في غيرة من بقية الآباء الروحيين.

هذا طبعا يعني انك تختار أباك الروحي حيثما تريد. ليس هو بالضرورة كاهن رعيتك. ولكن قبل ان تتركه تأكد انك تذهب إلى من كان أفضل منه. هناك كهنة حكماء جدا. ليس من الثابت ان كل الرهبان أفضل منهم.

Continue reading
2001, مقالات, نشرة رعيتي

المجد الباطل/ الأحد 8 تموز 2001/ العدد 27

عند مولد السيد قالت السماء لأهل الأرض: «المجد لله في العلى». إزاء ذلك قتل هيرودس الأطفال حبا بمجده هو. في كل من العهدين يعطى المجد لله. أما الإنسان فينال مجده من الله. الآيات الساطعة والكثيرة تقول ان المجد هو لله. فنعترف نحن به. ثم المجد هو الذي رأيناه على المسيح، وهذا انكشف فيه على الصليب. والمجد يملأ بيت الله. والمجد لشعب الله.

          استمدادا من الله، يقول الكتاب ان الحكماء يرثون مجدا وان متواضع الروح يناله. فخارجا من التقوى والحكمة -وهما من الرب- لا يرى الكتاب المقدس مجدا في أي إنسان آخر. ولذلك قال السيد: «مجدا من الناس لستُ أقبل». ورأى يسوع ان طلب المجد هو من عدم الإيمان. لذلك قال لليهود: «كيف تقدرون ان تؤمنوا وانتم تقبلون مجدا بعضكم من بعض، والمجد الذي من الإله الواحد لستم تطلبونه» (يوحنا 5: 44).

          كثيرون هم الناس الساعون إلى المديح وان يظهروا في عيون البشر. طلب الزعامة والسيطرة هو من عشقنا للمجد الباطل. هذا يطلبه المتزعمون من القوم المحتاجين إلى دعم ومنصب إذ لا ينال منصبا من كان صاحب كفاءة وعلم الا نادرا. القوي يعضد الضعيف لا إكراما له ولكن ليجعله تابعا. والضعيف يسترضي القوي لكونه يخشاه، يخشى قمع المتزعم وظلمه. ويختلف المستضعفون ليس على فكرة أو موضوع ولكن بسبب من ان هذا وذاك لهما زعيمان مختلفان أو ان واحدا يتبع والآخر لا يتبع.

          والخلاص من هنا كله ان نسعى إلى استقلالنا بالتقوى التي تجعلنا تابعين لله وحده. أحيانا يجعلنا استقلالنا على هامش مجتمعنا أو مغضوبا علينا من القوى النافذة. ولكنا نجد، إذ ذاك، مناعتنا في الله.

          من أَحب الآخرين يريدهم أقوياء لهم ذاتيتهم بالرأي الحر ويعترف بأن كرامتهم تأتيهم من ربهم وان أحدا من البشر لا يعطي أحدا كرامة. من أُحبه حقيقة أريده حرا، حرا مني لأن طاعة لي غير مشروطة انما هي مني احتقار لمن أريده تابعا.

          هذه الظاهرة تقوى في البلدان التي الدولة فيها ضعيفة ولا تحمي للناس حقوقهم. جلّ ما تستطيع الكنيسة ان تفعله هو ان تقرئ الناس الإنجيل الذي يدفعهم إلى ان يطلبوا مجد الله فقط. الكنيسة ليست في صراع مع الأقوياء ولكنها تقول: «أنزلَ (اللهُ) الأعزاءَ عن الكراسي ورفع المتواضعين». تريد مَن ظن نفسه شيئا الا يرى نفسه شيئا وان يلتمس قوة من النعمة فيجعل نفسه أخا للجميع، خادما لهم لا يتوخى منهم جزاء ولا شكورا. تطلب منه الكنيسة خدمة الفقراء والمهمشين حتى لا يخافوا من ضعفهم، حتى لا يقتلهم ضعفهم.

          لو طلبنا جميعا مجد الله لاستقر علينا وتساوينا بما أكرمنا به الله وما استعلينا بسبب من مال أو من سلطان في الأرض. «لا لنا، لا لنا يا رب بل لاسمك أَعطِ المجد».

Continue reading
2001, مقالات, نشرة رعيتي

الشيطان/ الأحد 1 تموز 2001/ العدد 26

في اللغة اليونانية يقال له «ذيافولُس» أي المفرِّق، الذي يفرّق بين الإنسان والإنسان. ضده الله الواحد والموحِّد بين البشر بالمحبة التي يُنزلها عليهم فيصيرون بذلك جسدًا واحدًا ولو كان كل منهم مستقلا عن الآخر. انه مستقل ولكنه غير منفصل. أن أعتبرك عدوّي هو ألاّ اعتبرك معي أو فيّ. أنت عدوي أي أنت مرميّ خارجا عني، خارجا عن قلبي.

يمكن ان اعتبرك واحدا معي ولو رأيتك مختلفا عني. وإذا كنت أنا أحبك فليس لأضمك إلي ولكن لأضمك إلى الله. فإذا صرتَ متحركا إلى الله أحبك، فهذا همّي. وإذا كنتُ أنا متحركا إلى الله يكون الله نفسه موعدا لنا. فبسبب من هذا الموعد الذي كلانا مدعو إليه نكون واحدا وتبقى لك أشياؤك ولي أشيائي. غير ان الجامع هو الله. يبقى بيننا تباين أي يبقى لكل منا خصوصيته، ولكن المشترك بيننا وفينا هو الزخم الإلهي الذي يجعلنا تواقين إلى الرب.

وإذا أنا استبعدتك عني، أتركك إلى عزلتك وأترك نفسي في عزلتها أي أكون مدمرا إياك ومدمرا نفسي. أنا، محبا، لا أتوخى ان أستبدّ بك أو ان استعمرك لأني، إذ ذاك، أكون مخضعا إياك لسلطتي، لشهواتي. أي أريد ان أنقـل إليك شهواتي، ان أفسدك بها. إذ ذاك، أنا لست معك. أنا مع نفسي كما هي في خطاياها. ولكني لا استطيع ان أحبك الا إذا تجردتُ من خطيئتي حتى لا تشملك، حتـى لا تنهيك. العداء إذًا هو الموت.

هذا كله من مصلحة الشيطان الذي يريد الموت الروحي لي ولك. هذا الموت هو مملكة الشيطان. يشلحك في مكان ويشلحني في مكان ويسود علي وعليك. ولكن إذا نحن لم نفترق يكون الله هو الجامع لأن وظيفته ان يجعلنا واحدا.

ان يصير كل منا واحدا مع الله ممكن إذا فهمنا «ان الله كله يضم بكليته مستحقيه. والقديسون بكليتهم يعانقون في كيانهم كله الإله كله وليس لهم مكافأة الا الله وحده» (القديس غريغوريوس بالاماس). فالله لا يترك شيئا منه لا يعانقه الإنسان. والقديسون يتنزهون عن كل ما هو غير إلهي فيهم في عناق الله إذ لا يطلبون الا الله لأنفسهم وللآخرين.

وإذا أمسى الله كل شيء فيك وصار أيضا كل شيء في الآخر، فأنت والآخر واحد إذ تكون قد بطلت فيك كل مزاجية وأصبحت نورا ورأيت النور في الآخرين.

أما الشيطان فوظيفته ألاّ يريك الآخرين نورا وان يريك عيوبهم حتى تكرههم لعيوبهم فينطفئ النور فيك وتبغضهم لتؤكد ما اعتبرته ذاتك وهو ليس بذاتك ولكنه عيوبك.

الرعية المتفرقة ليس المسيح يسودها. حاكمها هو الشيطان. وإذا صلّت فلا تصلي لله ولكن الحاقد فيها يعبد نفسه. فترى الناس يتقدمون إلى جسد الرب وليس الرب بينهم ولا تستطيع المناولة ان تعطيهم الرب. هم لم يأخذوا شيئا، ويقول بولس انهم اخذوا دينونة فيهم، وتقول الصلوات المهيئة للمناولة عندنا انهم اخذوا النـار أي انهم يكونون قد ابتلعوا جهنما فيهم.

السؤال المطروح عليك هو: مَن حاكمك؟ هل هو إبليس أم هو المسيح؟

Continue reading
2001, مقالات, نشرة رعيتي

كيف أقرأ سيرة قديس/ 24 حزيران 2001/العدد 25

عندنا كتاب اسمه السنكسار وهو يعني مجموعة سيَر القديسين على مدى 365 يومًا. كما ان الدارسين لتاريخ الكنيسة يطالعون فيه سيرة الآباء العظام مثل باسيليوس ويوحنا الذهبي الفم ونعرف تفاصيل حياتهم بدقة.

    هؤلاء لعبوا دورًا كبيرًا في الأحداث الكنسية، فسيرتهم والأحداث كالمجامع المسكونية منسوجة معًا. ففكرهم غذّى المجامع او تغذّى به. فعلى سبيل المثال لا بدّ من قراءة ما كتبه عن الأيقونة القديس يوحنا الدمشقي حتى تُفهم عقيدة الأيقونة. الآباء الكبار عندهم الفكر وفيهم قداسة الحياة. ونفحة القداسة هي ايضا في ما كتبوا. ولكن أكثر القديسين لم يكتبوا واهتدينا بطهارتهم.

    نستند اذًا على المراجع التاريخية القديمة والتي يعمل عليها العلماء كما يعملون على اي نص تاريخيّ. والباحثون الجدد قد ينقّحون معلومات عن هذا او ذاك، فيثبت انه وُلد هنا ولم يولد هناك مثلا، أو مات في هذه السنة ولم يمت قبلها. هذه أشياء لا تهمّ التقوى، ونحن نتوخى ان نزداد تقوى عندما نقرأ.

    غير ان هناك احيانًا مبالغات في السرد فيقال مثلا ان مار نقولا لم يرضع حليب امه يومي الاربعاء والجمعة. لا يفوت أحدا ان هذا الكلام أتى من رغبة الكاتب ان يُرجع «نسك» القديس إلى أيام رضاعته. فالواضح انها مبالغة شعرية لا ينبغي نقلها على انها حادثة ولكنها كلام مجازي.

    هكذا في سير الشهداء، فالحديث مثلا عن القديس جاورجيوس انه أنقذ ابنة الملك من التنين، من المؤكد ان هذا حديث تعليمي، فليس من ابنة ملك وليس من تنين لأن علم الحيوان لا يعرف حيوانًا بهذا الاسم. نحن امام قصة تعليمية مغلفة برموز. ودليل ذلك ان أقدم أيقونات مار جرجس تمثّله بلا حصان ولا تنين.

    كذلك هناك مبالغات شديدة في وصف العذابات عند الشهداء، وهذا من رغبة الكاتب ان يظهر قديسه عظيمًا جدًا.

    فعلى هذا المنوال تأتي الروايات عن الشهداء متشابهة وعن رؤساء الكهنة متشابهة. تأتي نموذجية كما ان الخدمة الإلهية (غروب وسَحَر) المخصصة لرئيس كهنة او شهيد او بارّ (راهب) في خطوطها العريضة واحدة في كل فئة من القديسين.

    كذلك تأتي الأيقونة في كل فئة متقاربة كثيرًا مع الأيقونة الاخرى لكون الأيقونة تعليمية ولا تهتم لتفاصيل الثياب او الوجه. ان كنت تألف انت التصوير الأرثوذكسي، تعرف توا ان هذا رئيس كهنة او شهيد او بارّ، ويجيئك اسم القديس لتعرف الشخص المرسوم بصورة كاملة.

    اذا كنت قادرًا على اقتناء كتاب السنكسار أو كراسا عن القديس نُشر هنا أو هناك فاقرأه قبل ذهابك إلى القداس لتفهم القِطع أو الأناشيد. والأهم من كل ذلك ان تقتدي بالقديس ما استطعت. شجاعة الشهداء مثلا تعلّمك ان تعترف بالمسيح قدام الناس تعليما وشهادة. الأبرار يوحون اليك جدية الجهاد الروحي المرير الذي قاموا به. أنت لا تتشبه بالقديس الراهب في طعامه،  وليس عليك متزوجا ان تقمع جسدك كما قمعه. ولكن تبقى الروح الواحدة والمحبة الواحدة.

            تقول في نفسك بعد قراءة السنكسار: هكذا يجب ان أصير. ثم تقول: احب أن أصير هكذا في حرية أبناء الله.

Continue reading
2001, مقالات, نشرة رعيتي

وجه المسيح/ 17 حزيران 2001/ العدد 24

طالعتنا جريدة «النهار» في عدد 5 حزيران بمقال عنوانه: «هل هذا هو الوجه الحقيقي للمسيح؟»، ببناء مجسم يقال انه الأقرب الى وجه المسيح. والمحاولة قائمة على دراسة جمجمة رجل يهودي اعتبر الخبراء انه يمثل النموذج الأنسب للأشخاص الذين عاشوا في فلسطين في وقت المسيح لأن الجمجمة تعود الى القرن الاول.

    طبعا ليست الجماجم خارجة من قالب واحد او ليست هي متشابهة. وفي المجال الأثري ليس من تأريخ قاطع. ولا نعلم اذا كانت الدوائر الاسرائيلية مهتمة بهذا الموضوع كما لا نعلم نياتها.

    هنا لا بد لنا من القول ان المسيحيين الاوائل لم يهتموا إطلاقا للشكل الجسدي الذي كان عليه السيد. فقال بعضهم ان هذا الوجه كان جميلا وقال آخرون العكس. وطبعا ليس في الإنجيل اهتمام بهذا الأمر. وأثبتت الدراسة ان «كفن تورينو» الذي قيل انه كفن السيد هو من القرون الوسطى. كما أثبتت الدراسات ان وصف يسوع المنسوب الى بيلاطس نص غير ثابت. ليس عندنا اذًا اية إشارة عن هيئة المخلّص الجسدية، وبالتأكيد هذا لا يهمّنا.

    هناك تمثال مصنوع بعد قيامة المخلص ببعض عشرات من السنين يصوره فتيا. ولكن هذا عمل فني لا علاقة له بالواقع. كذلك اقدم ايقونة عن الرب محفوظة في متحف اللوفر في باريس هي ايقونة قبطية تعود إلى القرن الخامس. غير ان الايقونة فن ديني، تعليمي، لا يفتش فيها الرسام عن تقليد صورة واقعية اذ ليس عنده هاجس فوتوغرافي. وحيث ان كاتبي الايقونات -وهكذا نسمّي الرسّامين- يتبعون النماذج الاولى ليوحوا فكرة روحية، أتت صورهم متشابهة جدا. الايقونة هي اقرب إلى الرمز من الشكل الجسدي المنظور. هي قراءة لاهوتية لمن نصوّره.

    الفن الاوربي استوحى الايقونة ولو استقل عنها بالأسلوب والصناعة. فالمهم عندما ننظر إلى الايقونة  ان نرتفع روحيا إلى ما هو مصوَّر عليها، وليس عندنا سعي إلى معرفة شيء عن بشرة السيد أو لون عينيه. طبعا كان يشبه اهل هذه المنطقة المشرقية. هذا كل ما يمكن أن نقوله.

    علاقتنا بالرب هي بالروح القدس. نحن لا نعرفه حسب الجسد ولكن حسب الروح كما يقول بولس. اي نعرفه في القلب عندما تنسكب فيه النعمة. ونعرفه كما عرفه تلميذا عمواس «عند كسر الخبز» في المناولة الإلهية وفي الكلمات التي خرجت من فمه. ونعرفه في المحبة اذا عشناها وفي الرباط الكنسي الذي يوحّدنا بالإخوة.

    عندئذ لا تعطينا السينما شيئا عن المعلّم اذا مثّل دوره ممثل ولا تزيدنا ايمانا. هو ليس عندنا مجرّد بشر لنضعه في المسرح. نحن نراه بعد القيامة اي نراه دائما كائنا نورانيا مرتبطا بنا بالروح القدس وقائدا لنا إلى الآب. لنا ان نستمتع فنيا باللوحات التي وضعها كبار الفنانين ورسموا فيها حوادث من الإنجيل ومنها الصلب. هذه لوحات لا ننكر شرعيتها، ولكنها لا تجعلنا نصلّي. نحن لقاؤنا مع السيد في الصلاة وفي الايقونة. كذلك نستمتع بالموسيقى الكلاسيكية التي لحنت قداسا غربيا على نهج تعدد الأصوات. ولكنا لسنا هكذا نصلّي. نصلّي بالروح.

Continue reading
2001, مقالات, نشرة رعيتي

زيارة البابا لنا/ الأحد 20 أيار 2001/ العدد 20

ايجابي ان الرجل شوهد في شجاعته على اقتحام السفر، وهو على شيخوخة متعبة، وجميل انه شوهد على كثير من طراوته لمن كان قادرا على المشاهدة. في اللقاء الشخصي يسقط شيء من البناية المتكونة فينا عن الآخر. يوحنا بولس الثاني حلم في انسانية افضل وفي كنيسة متلاقية، حلم قلب اية كانت الآراء اللاهوتية. ليس اننا «شعراء» نظن ان جودة الرجل وتواضعه يطبعان كنيسته بصورة آلية. ولكن شخص الأسقف الاول في الكنيسة اللاتينية، بسبب تركيبها وقناعاتها، له اهمية كبرى.

    من ناحية اخرى ما من شك ان ما شاهده يوحنا بولس عندنا يختلف عما كان يعرفه عنا. فهو يعرف عنا الانقسامات، ولكنه رأى ان المسيحيين على أرض أنطاكية واحد على الرجاء وإن كانوا على هذه الواقعية التي تقول انهم لن يصيروا كنيسة واحدة في المستقبل المنظور. أن يتابعوا مسيرتهم الى الوحدة بلا تسرع غير مسؤول، بعمق فهم، هذا ما ندعو الله ان يمنّ عليهم به.

    في الكلام الكنسي للبابا دعوته ان تتقارب الكنائس في هذه المنطقة من العالم في اتجاه التقارب الحادث في العالم. كيف يُترجم هذا التقارب المناطقي؟ هل يُترجم؟ هذا ما ستكشفه الأيام. ولكن الحدث الأبرز لاهوتيا كان في دمشق خطاب بطريركنا في الكنيسة المريمية. وهذا يتجاوز المناسبة ليقول شيئا أعمّ وأعمق على أمل ان نعود الى هذا الخطاب-الوثيقة.

    ما يميز الوثيقة انها جاءت منفتحة ورقيقة من جهة، وواضحة في ارثوذكسيتها في آن. أُسقف انطاكية من موقعه التاريخي والعقائدي والراجي الوحدة معا خاطب اسقف روما. وكان يجمع هذين الكرسيين لما كانت روما تعيش معنا الوحدة أنّ الجالسين عليهما كانا متحدّرين من بطرس وبولس.

    يجب ان نتأمل في النص البطريركي بكل دقائقه لكونه يرسم سياسة الكرسي وربما الارثوذكسية جمعاء. ولكني اود في هذه العجالة ان ألفت الى المقطع التالي (الذي أنقله عن الفرنسية): «ليس لكرسيّ رسولي ان يعتبر نفسه الضامن الوحيد لاستقامة الرأي. الكنيسة وحدها هي المؤهلة ان تكون ضامنة لكرازتها وان تؤصّلنا في الروح… هذا الإيمان يبقى المعيار للحكم في كل تطور (عقائدي) لاحق. وعلى رغم كون الارثوذكسيين غير مستحقين، فالكنائس الارثوذكسية تعرف ان تعليمها موافق لتراث الآباء وايمان المجامع المسكونية. نؤمن اذًا بكل تواضع ان الكنيسة التي اسسها المسيح ما تزال باقية بكل ملئها في الكنيسة الارثوذكسية».

    هذا هو المقطع العقائدي الكبير في خطاب صاحب الغبطة الذي لا تحجبه عبارات المودّة عند غبطته ولا تحجبها الرؤى الكبيرة على مستوى العالم والوطن والتاريخ. بكلام بسيط، ليست روما كل الكنيسة، ولا تستوعب وحدها الكنيسة الاولى التي أسسها السيد. هذه قائمة في ملئها في الكنيسة الارثوذكسية الحالية.

    خطاب بطريرك انطاكية وسائر المشرق الجالس على كرسي بطرس وبولس أتى آية في الوحدة بين العقيدة الواضحة والصامدة، والأخوّة الكاملة. فالقطيعة والتنابذ أمسيا من الماضي، ونغفر ونحب الذين في الغرب يحبون ربنا يسوع المسيح، ونسير واياهم في خدمة الفقير والغريب والمقهور في كل بلدان العالم، فنتقدم على طرق القربى ونحن امناء لما استلمنا حتى يهبنا يسوع بفضلٍ منه وحدة أن نبدو جسدا واحدا له.

Continue reading
2001, مقالات, نشرة رعيتي

البابا في دمشق/ الأحد 6 أيار 2001 / العدد 18

هذه كلمة وُضعت قبل وصول بابا رومية الى دمشق، ورجائي انه بلغها امس وزارنا في البطريركية عند بلوغه العاصمة السورية، والمتوقع ان يقيم اليوم (الأحد) الذبيحة الإلهية امام الألوف من المسيحيين ولا سيما من ابناء كنيسته.

    في صلاة الشكر التي تكون قد تمت امس، رحّب به صاحب الغبطة البطريرك اغناطيوس الرابع، وأرجو ان ننشر الخطاب للقراء في حينه. في البدايات لا بد ان نعجب للشجاعة التي يتحلى بها البابا بولس الثاني في قيامه بعشرات الرحلات في العالم كله وكان مريضا وتعبا في السنوات الأخيرة. وكل ذلك اعتقادا منه انه يقوّي الكاثوليك في ايمانهم وانه يوحي للحكومات ما يريد ان يوحيه بدءا من حق الإنجيل عليه.

    وما من شك ان الزيارة تبعث الفرح وتنشط الصلاة عند من سيشاركه الصلاة. ورجاؤنا ان يقوّي حضوره الروابط الأخوية بين محبي المسيح في هذه الديار لأن المهم ان يحيا كل منا روحيا في كنيسته حتى يهيئ الرب القلوب والعقول الى الاتحاد الكامل في أوان رضاه.

    نحن من جهتنا نقول السلام لكل انسان، ومن شروط سلامنا نحن أن نحيي الايمان الارثوذكسي الحي في نفوسنا وأن ندعم الوحدة القائمة بين ابرشياتنا الأنطاكية بحيث نسعى الى حرارة الصلاة وعمق المعرفة وتثقيف شعبنا وتحسين اوضاع الرعاية عندنا. واذا وصلنا الى هذه النوعية العالية من الوجود الكنسي، نصبح «رائحة المسيح الزكية» كما يقول الكتاب، ويتعزى بنا المؤمنون من صفوفنا والمؤمنون في الكنائس الاخرى.

    نحن نصلّي ليبارك الرب إقامة الأسقف الروماني في ربوعنا الأنطاكية، وندعو الله ان يمد المسيحيين الكاثوليك على اختلاف طوائفهم بمحبته ونعمته.

    رجاؤنا ان نسهم في جعل المقام البابوي اعمق فهما للكنيسة الارثوذكسية في العالم، وألاّ يبقى نتؤ في العلاقات، فتبقى الارثوذكسية في ديارها ترعى هي ابناءها ولا يرعاهم سواها. هكذا تقوى الثقة بيننا وبين الكنيسة الكاثوليكية حتى لا يشوب التعاون تحفظات في فكرنا او في فكر كنيسة رومية.

    سيلقي البابا سلاما على المسلمين، وهذا من صميم الفكر الكاثوليكي منذ مجمع الفاتيكان الثاني. نحن، طبعا، في ذلك سبّاقون لأننا نحيا مع المسلمين حياة وطنية واحدة ونتكلم لغة واحدة. لقد وضع هذا المجمع نصا في الإسلام وتوحيده واعتبره المفكرون المسلمون جميلا.

    هناك لا يزال الملف العقائدي قائما بيننا وبين الكنيسة الكاثوليكية. هناك ما يخلفنا. وقد دخلنا في الحوار منذ سنوات عديدة، ويبدو الحوار متعثرا الآن. غير اننا نرجو متابعته في تجاوز الصعاب. ومهما يكن أمر الخلاف، فلا شيء يمنع المحبة والصبر والتعاون على سبل الخيرات في هذه الدنيا. وما من شك ان المحبة اذا تأصلت ستكشف لنا طرق التلاقي.

Continue reading
2001, مقالات, نشرة رعيتي

وحدة الرعية/ أوّل نيسان 2001/ العدد 13

لعل الصعوبة الكبرى التي تعثرنا في الطريق إلى المسيح هي انقساماتنا الداخلية في كثير من القرى اعني بها انقسامات العائلات في ما بينها. ولست أريد الآن ان احلل العصبيات التي تحول دون ان نصير، حقيقةً، رعية واحدة ليسوع في القرية. فلقد قررنا إنشاء مجلس للرعية فأصبح هو المكان الذي يظهر فيه هذا التفسخ فنبطئ المسيرة أو نؤجل الأعمال ونتحاسد ونتباغض ونرتكب النميمة، ننتقد بعضنا بعضا، وذلك ليس للبنيان.

          ويعرقل هذا -حيثما وجد- عمل الكاهن. فإذا لم يكن كثير الحكمة، عظيم النضج فلا يقدر ان يعبر هذه الزواريب ويضطر ان يكتفي بإقامة الصلاة إذ يحس بأنه لا يستطيع ان يجمع الناس في هدوء.

    هل أتوقع الأعجوبة في هذا الصوم حتى نعود إلى الله ونترك كل توتر بيننا لنجعل حياتنا في الرعايا تقوم في جو إنساني طيب وهذا على الأقل وتكون في مناخ من التفاهم والإخاء؟ وليست الغاية فقط ان تتم المشاريع في وئام، وليس هذا الأهم بل الأهم ان تكون القلوب متلاحمة والنيات صافية عارفين ان كنيسة المسيح ملتقانا. وإذا عدت إلى ما نرتله اليوم في الكنيسة: «ليس ملكوت الله طعاما وشرابا، بل بِرّا ونسكا مع قداسة»، فهذا يفرض علينا ان نغير كل مسالكنا وان ننتهج نهج التواضع والوداعة لنصبح مرضيين عند الله. فما نفع الإعمار وإدارة الأموال إذا كانت القرارات لا تُتخذ باحترام الآخر واللطف به بحيث تأتي حجارة الكنائس في ترابطها صورة عن ترابط النفوس بعضها ببعض. ماذا تنفع كنيسة الحجر ان لم يكن عندنا كنيسة بشر؟

    الكنيسة هي انتم وكل منكم فردا فردا. وهي تريد كلا من أبنائها ان يساهم في تكوينها في رأيه ووجوده ومساهمته. وهي لا تستغني عن واحد.

    من أهمل أخا من الإخوة أو جافاه أو قاساه أو استكبر في تعامله وإياه فهذا لا يكون قد دخل إلى هذا الصوم ولا ينتظر العيد. كيف يقال عن أية رعية انها مسيحية ان لم تصغ إلى قول الرب: «بهذا يعرف الجميع انكم تلاميذي ان كنتم تحبون بعضكم بعضًا»؟ كل رعية مدعوة إلى ان تكون قطعة من السماء وتسلك هنا كما يسلك أهل السماء.

    نحن لا نسكن القرية، نحن نسكن الفردوس. بلا هذه الروح ليس عندنا فصح. بلا فصح في القلوب لسنا شيئا. ان نصنع البِرّ كما تدعونا صلاة السَحَر اليوم هو ان نكون في الضيعة كما نكون في القداس «فيمنحنا الرب عوض الأرضيات السماويات». والمقصود بهذا الكلام انه يجعلنا سماويين هنا أي كأننا عائشون في السماء.

    يا أحبائي هل تريدون ان نجعل كنيسة الجبل عروسا للمسيح لا عيب فيها، بهية، نضرة تتلألأ في كل واحد منكم؟ حاولوا جدّيين ان تصالحوا بعضكم بعضا، ان تغفروا وتستغفروا، ان تستمعوا إلى الآخرين بدون محاكمة مسبقة لنياتهم، مستعدين ان تتركوا آراءكم إذا اقتنعتم بصواب فكر آخر. من الغفران ان تنسوا، ان تسعوا إلى الأمام، إلى الأفضل والأفضل هو المسيح.

Continue reading