Category

نشرة رعيتي

رعيتي، نشرة أسبوعية تصدر عن مطرانية جبيل والبترون وما يليهما منذ العام 1981 وتوزع في كنائس الأبرشية وعلى أبنائها. تتضمن هذه النشرة زاوية ثابتة بعنوان «كلمة الراعي» يخاطب من خلالها المطران جورج (خضر) أبناء أبرشيته بمقال أسبوعي مُصاغ بقالب بسيط يسهل إيصال الكلمة بعرائها وحدّتها ومتطلباتها إلى كل الناس. وقد بوبت هذه المقالات ونشرت في سلسلة من ستة كتب بعنوان «الروح والعروس» صادرة عن منشورات مطرانية جبيل والبترون وما يليهما.

2004, مقالات, نشرة رعيتي

العيد يقترب/ الأحد في 28 تشرين الثاني 2004/ العدد 48

دخلنا صيام الميلاد في الخامس عشر من تشرين الثاني. نبقى اربعين يوما ننتظر ميلاد الرب ونرجو ظهوره في احداث الدنيا، في تاريخ الناس وفي قلوبنا لئلا يفوت الدنيا وجهه وتبقى قلوبنا فارغة من دواخلها. الزمان في ظاهره زمان إمساك لمن أَلِفَ هذا الصوم ليكون لنا جميعا زمن توبة. “ما احلى الرجوع اليه”. ويتعالى نداؤنا اياه في الخدمة الإلهية اي اننا نستبق البركات ونذوق معاني العيد قبل ان يحل يوم الخامس والعشرين من الشهر القادم.

            نستقبل يسوع طفلا ليّنا، طريئا، فقيرا. معنى هذا لنا انه يريد نفوسنا لا خشونة فيها ولا تَصلُّب ولا عناد ولا رغبة كسر لأحد. هذا عيد لحلاوة النفس وليس فقط لهدايا الأطفال. الطفولة البكر طفولة النفس في براءتها من الخبث وبساطتها في المواجهة. طفولة داخلية ضد الخطيئة التي تعقدك وتربكك وتكبلك. والمسيح ولد فقيرا ومات عاريا، يملك الدنيا ولا تملكه. وجهه دائما الى الآب طيلة خدمته البشارية وفي اللحظات الأخيرة من مكوثه في الجسد لأن الآب يعضدك في المحنة ويقيك شر التجارب وينشلك من الضيقات. تتعامل هنا مع الناس جميعا ولكنك لا تستطيع ان تتعاطى علاقاتك بهم اذا أسروك بمنافعهم ومنافعك. استقلالك عنهم من اجل حسن العلاقة لا يعطيكه الا الرب برحمته وقوّته. ان يكون الله وحده مرآك ومبتغى روحك هو الضمانة الوحيدة لتقدر على محبة البشر وسلاسة المعشر والصبر على الكيد والضغوط. واذا قويت الفضائل فيك يكون المسيح مولودا فيك، واذا اديت صلاتك تكون باحثا عنه. انت تنشد وجهه وحده ولو طابت الوجوه. واذا قلت له في وسط ما يعتريك من ضيق: “تعالَ ايها الرب يسوع” يقول لك: اتكئ على صدري كما فعل التلميذ الحبيب في العشاء السري. بعد هذا لا تحتاج الى متكأ.

            حوّل هذا العيد من ذكرى في الطقوس الى لقاء معه في داخل نفسك لئلا يمر عيد على عيد وانت فقط في التسليات الاجتماعية والطعام والشراب في بيتك. المطلوب ان تصير انت بيت يسوع وان تأكل جسده وتشرب دمه ليس فقط في الأسرار الإلهية ولكن في كل كلمة يصورها في ضميرك لئلا تأتيك فقط الكلمات التي تأتي من ضجيج العالم، وتصغي الى الكلمات التي تخرج من فمه لتحييك.

            المهم ان تصير انت خزانة لكلماته محفورة في ثنايا القلب ليعبر العيد الآتي الى حضور للمسيح فيك دائم. واذا حل، حقيقة، فيك لا يأتي العيد الا دعوة اليك الى الإخلاص ودوام الطاعة. ما وُضع العيد في يوم من ايام السنة الا ليصير فيك ديمومة حضور. غير ان الديمومة تفترض منك دوام الإصغاء الى ما تسمع. وهذا يعني ان كان في بيتك إنجيل ان تبادر بفتحه او تستمر على قراءته. نفسك قاحلة بلا هذا الماء الحي الذي يصير فيك ينابيع يرتوي بها الآخرون.

            انتظر العيد ولكن بحركة. لست انت مولدها. دع يسوع يحركها بحضوره. لا فاعلية لنفسك ما لم يصبح هو وحده حركتها. تَفَحَّصْ قلبك ترَ اذا كنت جائعا الى الحبيب او عطشان اليه. والجائع يركض الى الطعام والعطشان الى الماء. لا تمت جوعا ولا تمت عطشا.

            ربما مضت الأعياد السابقة كنت فيها في تسليات الزينة واللباس والأطعمة. يسوع لا يسكن الظاهر. اجعل من الميلاد الآتي ترحابا عندك بالمخلّص اي طاعة لكلماته والتماسا لحضوره الدائم فيك، لئلا يبقى قلبك باردا كمغارته فيصبح هو دفء كيانك وانت في التجلّي.

Continue reading
2004, مقالات, نشرة رعيتي

دخول السيدة إلى الهيكل/ الأحد في 21 تشرين الثاني 2004 / العدد 47

لا نعرف شيئا عن والدة الإله قبل أن يجيئها جبرائيل ليبشرها بولادة المخلّص. لذلك دخولها إلى هيكل أورشليم وإلى قدس الأقداس فيه ليس مذكورا في الكتاب ولكن في احد الأناجيل المسمّاة “منحولة” أي التي لم توافق الكنيسة على قانونيتها. مع ذلك أقامت الكنيسة هذا العيد وهو غير مؤسَّس في الواقع. يسمّيه العلماء عيدا فكريا أي أرادت الكنيسة أن توحي إلينا بأن الله اختارها منذ طفوليتها لتكون والدة المخلّص.

            ولما لم تجد الكنيسة أساسًا لحادثة الدخول نقبل معناه، ومعناه أن مريم اختارها الآب وصارت هي قدس الأقداس الذي كان رئيس الكهنة يدخله مرة في السنة ليكون في حضرة الله. مريم صارت اذًا في حضرة الله منذ طفوليتها.

            ولما كان ممنوعا أن نقرأ في الكنيسة نصا منحولاً، غير رسمي، اعتمدنا في صلاة السَحَر الفصل الذي يتحدث فيه لوقا عن لقاء مريم وأليصابات حيث يبدأ الحديث عن أن اليصابات أم المعمدان “ارتكض الجنين في بطنها وامتلأت اليصابات من الروح القدس”. وسلّمت على مريم بقولها: “مباركة انت في النساء ومباركة ثمرة بطنك”. هذه الكلمات إذا أضفناها إلى كلام رئيس الملائكة تؤلف صلاة معروفة في الكنيسة: “افرحي يا والدة الإله العذراء مريم الخ…”.

            عند ذاك قالت مريم: “تعظم نفسي للرب” إلى آخر النشيد الذي نرتله في كل صلاة سَحَر آية آية ونقول بين الآيات “يا من هي أكرم من الشيروبيم وارفع مجدا بغير قياس من السيرافيم…”. وهو يعتمد بلا شك على عيد رقاد والدة الإله حيث بانت مريم في انتقالها إلى الملكوت أعظم شأنا من الملائكة.

            في رسالة العيد المأخوذة من الرسالة إلى العبرانيين مذكور “قدس الأقداس”.

            في لقاء مريم اليصابات نجد عدة تأكيدات بعضها ذو طابع عقائدي. ولا سيما قول اليصابات للعذراء: “من أين لي هذا أن تأتي أم ربي إليَّ” أي إن أم يوحنا المعمدان تعترف بأن يسوع هو الرب. والتأكيد العقائدي الثاني قول مريم: “ها منذ الآن تُطوّبني جميعُ الأجيال”. مريم تتنبأ بأن الأجيال المسيحية القادمة سوف تقدّسها. هذا الكلام الإنجيلي يبني اعتقادنا على إنها الأولى بين القديسين. ثم يدحض موقف الذين لا يطوبونها. فنحن اذًا إنجيليون أي موافقون للكتاب عندما نخاطبها وندعوها شفيعة لنا أي مصلية أمامنا ومعنا إلى الله وابنه. فاستقامة الرأي التي نحن عليها هي في جوهرها أننا موافقون للإنجيل وأننا لا نحرّفه ولا نزيد عليه شيئا.

            إن الشيء الأساسي في المسيحية الأرثوذكسية أن المؤمن ليس وحده ولكنه شريك في الصلاة والمحبة مع أولئك الذين انتقلوا إلى الملكوت. فإذا كنت في الكنيسة فلست منعزلاً عن أجواق القديسين الذين سبقوك إلى الحضرة الإلهية. الله يجعل من المؤمنين الراقدين والأحياء كنيسة واحدة هي جسد المسيح أي كيانه الحي الممتد منه رأسًا إلى كل أحبائه وكل منهم في المعمودية عضو من هذا الجسد الكلي الشامل.

            وإذا كنا إخوة للمسيح لكونه “اشترك في اللحم والدم” تصير مريم أمّنا جميعا إذ قال وهو على الصليب للتلميذ الحبيب دالاً على مريم الواقفة هناك: “هذه أمك”. والمعنى طبعا أنها حاضن لنا جميعا كأمنا الطبيعية وأنها تسهر على الكنيسة وأنها في وسطها كما كانت مع التلاميذ والإخوة وحاملات الطيب في العليّة لما انحدر الروح القدس بشكل ألسنة نارية.

            لا ينبغي أن ننسى أن مريم أم وعذراء معًا. نحن نتقبل بفرح أمومتها وتصبح كل نفس عذراء إذا أَخلصت للمسيح واحتضنته بالإيمان والحب. دور مريم تجاهنا مستمر بأمومتها العجيبة وبكونها تغذي العذرية الروحية فينا أي استعدادنا لنتقبل كلمة الله زرعا فينا ولا نتقبل زرعا آخر. وإذ ذاك نكون ليس في هيكل أورشليم القديم ولكن في هيكل الله الوحيد الذي هو يسوع.

Continue reading
2004, مقالات, نشرة رعيتي

المجد الباطل/ الأحد 14 تشرين الثاني 2004 / العدد 46

إذا تكلمنا على المجد الباطل فمعنى ذلك ان هناك مجدا حقيقيا. فقد قال السيد للفريسيين: «انكم لستم تستطيعون ان تؤمنوا لأنكم تطلبون مجدا بعضكم من بعض، والمجد الذي من الإله الواحد لستم تطلبونه» (يوحنا 5: 44). هناك مجد ينزل عليك من فوق ان كنت من المؤمنين، وهناك مجد يأتيك من مالك أو مركزك السياسي أو من سيارتك. نقول باطل لأنه فارغ ليس فيه شيء بنظر العارفين بالله.

هناك أشياء عظيمة كالعلم تصير من المجد الباطل إذا افتخرت بها. أي شيء مخلوق لا يجوز الافتخار به. أية فضيلة فيك لا يجوز الافتخار بها، فلا تنسبها إلى نفسك وإذا أحسست بها تشكر الله. إذا أحس الإنسان بفراغ يسعى إلى الحياة الاجتماعية السطحية حتى لا يشعر بأنه ملغى من الوجود.

عند النساء الطعام الفاخر الذي تُعدّه وتُقدّمه في السهرات يمكن ان يغذي المجد الباطل. الثياب الثمينة يمكن ان تكون سببا للاعتزاز مع ان آخرين قد صمموها أو خاطوها.

أمام هذا، كيف يمكن ان يميز الإنسان إذا كان يحب المجد الباطل أم المجد الإلهي؟ التمييز هو في هذا: إذا كنت تعيش ليراك الناس ويروا سيارتك أو قصرك أو إذا كنت تفتش عن رضاهم فأنت واقع في المجد الباطل. أما إذا كنت ملحّا على ان يراك الله ويرضى عنك فأنت في المجد الحقيقي.

الفرق بين الناس ليس بين بائع خضار وصاحب معمل كبير. فالبائع الصغير يمكن ان يكون منتفخا ومالكُ المعمل متواضعا. السؤال هو هذا: هل أنت تطلب الله أم تطلب نفوذك ومقامك وتمجيد الناس إياك؟ أن تظن ان حجمك يزيد لأنك قابلت موظـفا كبيرا أو وزيرا، فمعنى ذلك انك غير مقتنع بوجودك المستقل الذي لا يزيد حجمه الا إذا اتصل بالأطهار. من أَمَّدك بخُلُق كريم وشدد إيمانك وعزّاك تعزية بالروح فهذا يكون قد أعطاك كنزا يفوق كل ثروات العالم. ما ينزل من الله عليك فوحده ذو قيمة.

ما هو الذي لا يتغير فيك إذا قَلَّتْ مواردك أو ساءت صحتك أو خسرت مكانة اجتماعية؟ إذا رأيت ان شيئا منك لا ينتقص إذا زالت عنك هذه الأمور، فأنت في الخط المستقيم طالب رضاء الله. أما إذا حزنت حزنا شديدا لكونك خسرت شيئا، فمعنى ذلك انك تطلب هذه الدنيا.

من الدنيويات التي صارت متحكمة ببعض الأوساط «العالية» انها تقتل الوقت بالسهرات الطويلة. يذكرني هذا بعشاء دعيتُ إليه في الولايات المتحدة. فابتدأنا عند السادسة والنصف وانتهى العشاء بعد ساعة وودعنا وانصرف كل منا إلى برنامجه المسائي. يقال لك في لبنان ان العشاء يبدأ في التاسعة وتحضر في الوقت المعين وتنتظر الآخرين ساعة أو أكثر. وقد لا يبدأ العشاء قبل العاشرة والنصف أو ما بعد ذلك ولا ينتهي الا عند منتصف الليل أو بعد هذا، أي انك تنفق ما لا يقل عن ثلاث ساعات لا تستطيع ان تقرأ بعدها كتابا ولا تنام مرتاحا. كل هذا مجد باطل.

إزاء هذا بساطة العيش في الفضيلة. ومنها ألاّ تدّعي معرفة كل شيء والا تبحث بما لا تفهم وخصوصا الا تُردّد ما قرأته في الجريدة. فان كنت غير عارف فالصمت أولى، وإذا كنت عارفا كثيرا فقد لا يكون سامعوك قادرين ان يفهموا فلا تفلش معرفتك لان هذا مجد باطل أيضا. وفي كل حال الصمت يوفّر عليك الغلط.

ولكن هذا السلوك الخفر لا ينزل عليك الا من التواضع بحيث لا تحس انك شيء، وإذا شعرت بمواهبك فأَعِدْها إلى الله. عند ذاك ينزل عليك مجد الله فإذا بك كائن إلهي وأنت لا تَعرف.

Continue reading
2004, مقالات, نشرة رعيتي

«البطرشيل»/ الأحد 7 تشرين الثاني 2004 / العدد 45

ليس قصد هذه الكلمات أن أبين من الكتاب أن الفاعل يستحق أجرته (لوقا 10: 7) وان خادم المذبح يأكل من المذبح (2كورنثوس 9: 13). هذا تعرفونه وقد استغرق هذا وقتا طويلا ليفهم المسؤولون ان راتبا للكاهن كافيا هو من الأمور التي تصرفه عن التسول ولا سيما إذا لم يكن عنده دخل من كرم أو ايجارة بيوت. وقبل الشروع بالراتب من وقت قريب نسبيا (ربما نهاية الحرب العالمية الأولى) كان الكاهن معوزا بصورة عامة ويستند إلى «البطرشيل» أي إهدائه مبلغا إذا قام بخدمة روحية كالعماد والإكليل أو سواهما. وسمي هذا الدخل باسم البطرشيل الذي يضعه الكاهن حول عنقه أثناء إقامته أية صلاة.

هناك رعايا فهمت ان دعمها الحقيقي للكاهن هو راتب كافٍ. مع ذلك لم تمنع مؤمنا إذا شاء ان يهدي راعيه ما يشاء تعبيرا عن محبته له. لم نعمم نحن هذا في هذه الأبرشية لاعتبارات نفسية وربما كانت هذه العلاقة بين المؤمن وراعيه توطيدا للصلة الروحية بينهما. ولا شيء يمنع ان تكون الهبة كثيرة ولا هي محددة في معظم الأحوال والأماكن. والمبدأ ان نترك للمؤمن حريته الكاملة فيدفع إذا شاء ولا يدفع إذا شاء، فالكاهن يقوم بتعميد ابنك وهذا لك فرح عظيم أو يكللك وهذا فرح أيضا. وانه لمن المحظر على الكاهن ان يتذمر لقلة المبلغ لأن هذا يؤذي المؤمنين كثيرا. فالبطرشيل إذًا دفع ظرفي ويتغير حسب المواسم وحجم الرعية بحيث يصير رمزيا في رعايا الزيجات فيها قليلة والمعموديات تاليا قليلة.

وضع المطران شبيه بوضع الكاهن. والمتعارف عليه انه لا يتقاضى راتبا من صندوق الأبرشية ولم اسمع عن زملائي انهم «فوتروا» ثمن جبة أو حاجات أخرى. وقد يقوم أحيانا بإحسان. وقد اعتاد بعض المؤمنين ان يدعوا المطران إلى مشاركتهم في مناسباتهم العائلية.

هنا أريد ان أؤكد لكل المؤمنين ان لا شيء يضطرهم ان يدفعوا للمطران شيئا إذا هو لباهم وليس لمأتم أو اكليل أي تعرفة، ولذا أستغرب سؤال من سأل: كم علينا ان ندفع؟ ليس على واحد منكم ان يدفع شيئا. الا انها مناسبة هنا لأوضح ان الدعوة إلى أية خدمة فيها طرفان: الداعي والمدعو. وليس على الداعي ان يتضايق إذا لم يلبه المطران فقد يكون لهذا أسباب هو يعرفها. فقد يدعوه مؤمن من دوما ويكون هو في الشويفات. وقد يكون مريضا وليس عليه ان يشرح ذلك لأحد. ومع أني كلمتكم غير مرة ان صلاة الكاهن كافية، مع ذلك ألبي دعواتكم الا عند الضرورة القصوى.

لا يدخلن في نفوسكم انكم تعوّضون الاكليريكي عن تعبه. مطلوب منه التعب. ولكن من أَعطى فليعطِ متهللا ليكسب نفسه عند الله. وبقدر ما يكون كريما يحس انه ابتعد عن محبة المال وانه قام بعمل مشاركة.

فكرة الراتب أو «البطرشيل» هو ان تساعدوا الخادم الروحي الا يفكر بجني المال حتى ينصرف لخدمتكم انصرافا كليا. فإذا عرفتم ان وقفكم المحلي فقير فزيدوا عطاءكم الشخصي حتى لا يحزن إذ لا يستطيع ان يكفي عائلته. أهمية العطاء انكم به تسترضون الله وتظهرون محبتكم.

Continue reading
2004, مقالات, نشرة رعيتي

أولادكم الطلاب/ الأحد في 31 تشرين الأول 2004 / العدد 44

أولادكم رعاية دائمة وحب عظيم. ولكن هذا يتطلب حضورا اليهم قدرا كبيرا من الوقت لاسيما إذا كانوا أطفالا لأن الولد يفهم العطف حضورا. وكما تُعنَوْنَ بهم عناية دقيقة منذ مولدهم حتى الخامسة مثلا فبعد ذلك تبقى العناية دقيقة ولو اتخذت اشكالا أخرى إذ تبين للعلماء ان نضج الولد وصحته النفسية مرتبطان بإحساسه ان له أبًا وأمًا يحضنانه حضنا رؤوفا. مرة أعجبت برجل قال لي انا لم أخرج ليلة واحدة من البيت لما كان أولادي صغارا. المهم ان التوازن بين المكث والسهرة يجب ان يكون لصالح الولد.

            من صور الاعتناء ان تساعدوا الولد في الدرس إذا امكنكم ذلك. فربما امكنكم جميعا ان تعأونوه في حفظ الدرس إذا كان لا يزال في الصفوف الابتدائية ولكن بعضا منكم -بسبب ثقافته- قادر ان يتابع ولده في المرحلة الثانوية. ولعل الميسورين قادرون ان يأتوا اليه بمن يعطيه درسا خصوصيا إذا احتاج إلى ذلك. هذا إذا كان متوسط الذكاء أو مقصرا، ولكن المدرسة بالمبدأ كافية.

            المهم ان تتيقنوا انه فهم الدرس الذي تلقاه في الصف وانه قادر ان يقوله للمعلم في اليوم التالي. الفكرة الأساسية ان يفهم جيدا وان يسمعكم ما فهم بلفظ جيد ولغة فصحى كائنة ما كانت اللغة التي يستعملها وذلك بلا تلعثم أو خوف. تأكدوا انه استوعب ما يقرأ فالقاعدة ان ما لا يستطيع الولد ان يعبر عنه لا يكون قد فهمه. كذلك تأكدوا انه يقوم بأعمال رياضة في المدرسة أو في البيت أو في الحي لأن هذا سبب كبير لحصوله على صحة جسد ترافقه طوال حياته. ان كثيرا من أتعابنا أو امراضنا في سن متقدمة سببه إهمال الرياضة في سن مبكرة.

            إلى هذا احرصوا إذا بلغ العاشرة أو قبل ذلك ان يطالع كتبا خارج البرنامج الذي يجب ان يحفظ لتقوى معرفته ويحصّل أسلوبًا في الكتابة وربما البلاغة. الذي لا يقرأ في طفولته لن يقرأ ابدا. ولكن اعرفوا من اين يأتي بالكتب واسهروا على سلامتها الأخلاقية وقد تكونون قادرين على ان تعرفوا جودتها الأدبية. وفي سن متقدمة نسبيا لا مانع ان يقرأ الجريدة ليتثقف سياسيا إذ يجب ان يعرف ما يحدث في البلد وفي العالم.

            طبعا ينبغي ان تولوا كل أولادكم عناية واحدة ولا تفرّقوا بينهم الا إذا اضطررتم ان تهتموا بالولد المقصر اكثر من اهتمامكم بالولد الناجح.

            إلى هذا أيضا احرصوا ألاَّ تغضبوا إذا كنتم تلقنون درسا والا ينفذ صبركم. وإذا كنتم عاجزين عن ذلك فالأفضل الا تهتموا بتدريس أبنائكم. إن الوداعة بالتعامل أهم من تلقين العلوم.

            وبعد هذا احرصوا على أن يصلي أبناؤكم وبناتكم قبل النوم أو توا بعد الطعام. وإذا كان الولد صغيرا جدا ربما احتاج إلى ان تقفوا إلى جانبه وتلقنوه بعض الصلوات البسيطة يؤلف بعضا منها من عنده أو يمكن العائلة أن تصلي معا عندما يصبح الولد مدركا لمعاني الصلاة.

            التربية متابعة وليست تغنيجًا. تابعوا كل يوم هذا العمل بطريقة هادئة وادرسوا انتم إذا لاحظتم أنكم مقصّرون عن متابعة الولد علميا. واحفظوا أنفسكم من الشرير لتكونوا قدوة فلا الدرس ينفع ولا النصيحة إذا لم تكونوا أعفَّاء اللسان ولم تقيموا في البيت وحدة وتفاهما بين الرجل والمرأة. الولد ينمو بالجودة التي يراها فيكم. الإنجاب يحصل مرة وأما نمو الأولاد فعمل مستمر وسهر وصبر. ليس المهم أن تلدوا أولادًا وحسب فالأهم أن تجعلوهم أبناء لله وبنات.

Continue reading
2004, مقالات, نشرة رعيتي

مع المسيح صُلبتُ/ الأحد 24 تشرين الأول 2004 / العدد 43

المسيحية ليست مجرد كتاب. فقد عاش المسيحيون الأوائل ما لا يقل عن أربعين سنة قبل تدوين أول إنجيل، وعاشوا ستين سنة قبل ظهور إنجيل يوحنا. ما من شك ان الرسل حفظوا كثيرا من أقوال يسوع يتلونها شفهيا على المؤمنين. ولكنهم قرأوا رسائل بولس الذي استُشهد حول السنة الـ 65. اخذوا روح يسوع عن بولس وجوهر تعليمه. شخص يسوع الحي، القائم من بين الأموات هو ما تعلَّقوا به. فإيماننا نحن ركزه الرسل على محبتنا ليسوع. لذلك قال بولس في رسالة اليوم: «مع المسيح صُلبتُ فأَحيا، لا أنا، بل المسيح يحيا فيّ» (غلاطية 2: 19).

المسيحية قائمة على هذه الخاصة ان حياة يسوع القائم من بين الأموات تنسكب على أتباعه إذا هم اعتمدوا وآمنوا به. فكما صُلِب هو وأمات الخطيئة وأباد الموت، أَنقطع أنا عن الخطيئة. وهذا هو صليبي. لست أنا أُبيد الخطيئة. انه هو الذي يبيدها فيّ. «حاشا لي ان افتخر الا بصليب ربنا يسوع المسيح» وأنا كنت في أعماقه لما صُلب. لذلك أنا مصلوب.

بعد هذا يقول: «ما لي من الحياة في الجسد أنا أحياه في إيمانِ ابنِ الله الذي أحبّني وبذل نفسه عني». بذل نفسه عني أخذها بولس من إنجيل يوحنا قبل تدوينه أي أخذها بالتواتر. فقد قال يوحنا: «ما من حب أعظم من هذا أن يبذل الإنسان نفسه عن أحبائه». هنا يؤكد كاتب الرسالة إلى غلاطية التي نحن في صددها ان الناموس الموسوي لا يعطي الحياة. هو أحكام لا تستطيع أنت تنفيذها، ومخالفتك اياها فضحتْ شقاءك. توا، وبلا تبرير الناموس لك، يبررك المسيح، وإذا بررك فهو يمجدك. لذلك يجمع بولس كل هذه المعاني فيقول: «ما لي من الحياة (أي الحياة بالروح القدس) في الجسد (أي في كياني كله)»، هذا أتاني من الله وأنا أحياه. كيف أحياه؟ إذا آمنت بابن الله («أنت المسيح ابن الله الحي» كما اعترف بذلك بطرس).

ابن الله هذا أحبني، وما قال أحبنا بصورة الجمع. كل واحد منا عليه ان يؤمن بأنه بات حبيب الله في المسيح يسوع. فكما كان المسيح حبيب الله في الجوهر والأزلية، أنا أصبح حبيب الله بالنعمة التي كشفها لي يسوع بموته وقيامته.

ما هو التعامل بيني وبين ابن الله؟ هو أحبني ويحب ان اعرف هذا. إيماني به هو إيماني بمحبته لي التي أبرزها أو جسّدها بالموت.

ما الذي يجمعنا نحن المسيحيين؟ هو إيماننا بيسوع. ما يعني هذا الإيمان؟ هو يعني أني أومن بأنه مات من أجلي ثم قام. المسيحية هي التعلق بشخص المسيح باعتباره المخلّص. أجل هو مخلص العالم. ولكنه مخلصي أنا أيضا شخصيًا. أنا أنضم إليه بالمعمودية فأموت فيها معه وأحيا معه وأكون قائما من الموت الروحي منذ الآن ومن الموت الجسدي عند القيامة. غير ان السيد يريد منك ان تفعّل معموديتك فتبقى على الدوام مميتا الخطيئة فيك، وعندما تتحرر منها تعرف وتحس انك قائم معه، حي ومنتصر معه.

ولكن هذه القيامة الدائمة تتطلب منك، إلى جانب الإيمان، جهدا موصولا فتهرب من الخطيئة أولا ثم تحيا بالبر، بالكلمة، بالصلاة الدائمة، وذلك في بيتك وفي الطريق وفي الخدمة الإلهية. فأنت لا تسير فقط إلى المسيح بهذه، ولكنك تسير في المسيح وكأنه بحر تسبح به. هذا هو الإيمان الحي الذي من أجله مات الشهداء. هذا هو الإيمان الذي يجعلك ناقلا إياه للآخرين بتبليغهم الكلمة والعمل الصالح.

Continue reading
2004, مقالات, نشرة رعيتي

مَثَلُ الزارع/ الأحد في 17 تشرين الأول 2004/ العدد 42

            افترض الرب يسوع في مثل اليوم ان كل اليهود يسمعون كلمة الله وانهم فئات لا تقبل الكلمة او ترتدّ عنها او تخنق فيها الكلمة ملذاتها. وافترض مع ذلك فئة تحفظ الكلمة “في قلب جيد صالح” وتثمر بالاستمرار. ان كلام السيد مبني على ان اليهودي يذهب إلى الكنيس يوم السبت ويسمع التلاوة وان الأهل يلقنون اولادهم الكلمة من مخطوطات التوراة التي استغرقت كتابتها سنة او اكثر لعدم وجود الطباعة آنذاك. كذلك نعرف ان عمل الرباني (وبالعامية الحاخام) أن يقضي معظم يومه يدرس التوراة ويحفظها ويستشهد بآيات منها.

            وفي الإسلام من يحفظ القرآن كله ولم يتجاوز الثانية عشرة من عمره وبعد الحفظ يفهم. هل ينطبق مثل الزارع في اوساطنا؟ اي هل في كل بيت نسخة عن الكتاب المقدس، واذا وجدت هل نقرأها. واذا اعتمدنا على الذين يشاركون في القداس فهل “يسمعون” بصورة جيدة انجيلا منغما اي لا يدخل كلمة إلى السمع. وهل من إصغاء إلى الرسائل وهي ايضا مرتلة على بعض من الطرب لسرور المرتل؟ وكم نسبة الحضور في كنائسنا. يقول لي كاهن في هذه الابرشية عليم بالإحصاء انها لا تتجاوز .2% هنا وثمة.

            اجل صلواتنا واناشيدنا فيها الكثير من معاني العهد الجديد اي يدخل شيء من الايمان بالسمع. ولكن لو كان الله يكتفي بالصلوات والاناشيد وهي سابقة لتدوين الأناجيل لما أوحى الرسل الانجيل. قد تكمن الصعوبة الكبرى بالكسل. وما يرضي الله ان نطلب اليه القوة لنمد يدينا إلى الكتاب الموضوع في خزانة او مكتبة وننظفه من الغبار التي تأكله ونقرأه من الدفة إلى الدفة. قرار حازم يأتي من ايماننا بأن هذا الكلام هو “روح وحياة” (يوحنا 6: 63). لما قال يسوع هذا هو كان يعني حقا ما قاله اي ان هذا الكتاب كما سكبه الله في قلوب الرسل ليس مثله ما يأتينا بالروح القدس والحياة المنبثقة منه. وأبسط حجة نقدمها لكم ان ليس مثل الله من تكلم عن الله. وهو القائل: “ليس من الخبز وحده يحيا الانسان بل من كل كلمة تخرج من فم الله”. واذا صعب عليكم في البدء ان تطالعوا على انفراد فاعقدوا حلقات إنجيلية مرة في الأسبوع وطالعوا الكلمة معا بإرشاد مرشد ان وجدتموه في الرعية كاهنا كان ام غير ذلك.

            يقيني الذي لا يزعزعه شيء ان الحياة الموجودة في كلمة الله لا يعوض عنها اية قراءة لكتب روحية مهما سمت. ليس ان معرفة الإنجيل تغنيكم عنها ولكن لا شيء يضاهي الانجيل. هو يدخل الروح القدس اليك مباشرة ان قرأته بروح التوبة ومثل انسان يفتش حقا عن الخلاص وان يصير “خليقة جديدة”. معنى هذا ان هذه القراءة المتأنية تصور المسيح في قلبك فيصير لك فكر المسيح. مع مرور الزمن تحس انك اخذت تواجه شؤون دنياك بفكر المسيح وليس بناء على مصالحك. تفهم ان مصلحتك الحقيقية هي ان تتبنى مشيئة الرب.

            كيف تقرأ؟ في البدء فلتكن قراءتك متواصلة بحيث تأخذ متى ثم مرقس حتى تصل إلى سفر الرؤيا. وتفعل هذا مرتين او ثلاثا او اكثر. وتقرأ في وقت تحدده لنفسك في النهار او في الليل. وبعد اكتسابك هذه المعرفة الشاملة تذكر اي مقطع تحتاج نفسك اليه حسب اوضاعها اي في فرحها او حزنها او بعد سقطة. تفهم مثلا ان العظة على الجبل في متى (الإصحاحات 5 إلى 7) تساعدك أخلاقيا، او تحس انك في حاجة إلى ان ترتفع روحيا بإنجيل يوحنا، او تدرك ان بعض المسائل التي تواجهها واجهها بولس قبلك فتعود اليه. وهكذا تنشأ ألفة بينك وبين الكلام الإلهي.

            وقد يكون من المفيد ان تقتني دفترا تُدوِّن فيه هذه الآية او تلك او هذا المقطع او ذاك مع الأرقام واذا استحسنت مثلا كلاما عن المحبة عند بولس او في رسالة يوحنا الاولى الجامعة فاكتب رقم الآيات واحفظها كما تحفظ الشعر لتعود من ذاكرتك إلى لسانك او إلى سلوكك، فاذا لاحظت في  وضع انت فيه انك قادر ان تستحضر من ذاكرتك قولة إلهية مناسبة للموقع تكون قد بت أليفا للكلمة. وانت في حاجة طوال حياتك إلى كتاب الله. وقد تقرأ مقطعا واحدا مئات المرات وتلاحظ انه ينبوع يتجدد فيك وانك تفهم باكثر عمق آية ظننت انك فهمتها، ويبدو لك عند كل تلاوة انك تفهم اكثر. هذه هي الحياة.

Continue reading
2004, مقالات, نشرة رعيتي

الراعي والرعية/ الأحد 10 تشرين الاول 2004 / العدد 41

يُسمى الراعي الأول في الكنيسة أسقفًا وهي كلمة أصلها يوناني وتعني المراقب. وهو يراقب بالتعليم والمحبة والإدارة. ولا يعرف أحد رعية بلا راعٍ. والعلاقة بينهما قال عنها الطوباوي اوغسطينس متوجها إلى شعبه: «أنا أخٌ معكم وأسقف (أو رقيب) إزاءكم». والآراء كثيرة بين الناس ومختلفة إلى حد الاختلاف. والاختلاف يجب أن يزول ولو لم يقتنع الكل، ويستحيل أن يتوافق الناس على كل شيء ويجب ان تبت الأمور وان ينتهي الاختلاف إلى حلّ. ويتداول الراعي مع الرعية حتى تأتي الكلمة الفصل من الراعي خوفًا من الانشقاق، والكنيسة لا تستطيع ان تبقى في خلاف. وإذا لم يتراجع احد عن موقفه ليس من وحدة وليس من محبة. والاختلاف يقود أحيانًا إلى صدام. والمتصادمون لا يستطيعون ان يأكلوا معا جسد الرب ويشربوا دمه.

والاختلاف كما أعاينه عندنا يدور عادة على شيئين أولهما لماذا عُيّن فلان في مجلس الرعية ولم أُعيَّن أنا. وثانيهما على قضايا تتعلق بالوقف والبناء وما إلى ذلك. وهذه كلها من هذه الدنيا وعابرة كالدنيا. فلن تخرب المسكونة إذا لم تعيّن، ولن تخرب إذا تباينت أفكارنا على شراء ارض أو القيام ببناء. هذه كلها عابرة مع دنياكم وتبقى الكنيسة هي إياها وتبقى الجماعة المحبة وتبقى الوحدة حول الكأس المقدسة.

والكنيسة فيها طاعة على ما قال بولس: «أطيعوا مرشديكم واخضعوا لهم لأنهم يسهرون لأجل نفوسكم» (عبرانيين 13: 17). المعروف في هذه الأبرشية ان الراعي لا يقهر أحدا ولا يتحيز وليس له مصلحة مادية عند أحد وليس له مصلحة نفوذ ولا يتحزّب لسياسات الضيعة ولا يوجه أحدًا في الانتخابات ولا يطمع بالوقف المحلي ولو كان له الحق في ان يطلب مساعدة لفقراء الأبرشية. وإذا كان عقله سليمًا وقلبه طاهرا في التعاطي مع الناس والمفروض فيه أن يعدل بين الناس فلماذا لا نطيعه؟

لا تمرمروا المطران بسبب أحقادكم أو عنادكم. الإنسان الجيد هو من عاد عن رأيه إذا تبين له الخطأ وإذا لم يتبين له الخطأ يكون المطران مرجعه. لا نستطيع ان نفعل غير ذلك لأن هذا هو قاعدة في الكنيسة الأرثوذكسية. في المبدأ يبذل الراعي نفسه عن الخراف كما فعل السيد أو يحاول فلا تُضيعوا وقته بخلافاتكم. هناك أمور عظيمة يجب ان تتمّوها مع المطران وهو أن تَنْموا بالمسيح وتتعلموا الإنجيل وتتقدسوا. وهذا ما يحصل عند الكثيرين ولكنه لا يحصل عند بعض. لا تجعلوني أفكر عندما يطلب شخص أو وفد مقابلتي: إذًا هناك في هذه القرية مشكلة. قابلوني من اجل نصيحة تحتاجون إليها أو إرشاد أو بنيان روحي ولا تقابلوني من اجل مشاكل. المطران ليس فقط قاضيًا بين المؤمنين. هو بالدرجة الأولى موجّه ومعلّم وأب أي حاضن. لا تعكّروا مزاجه بأمور قائمة على رفض فلان لفلان. لتكن كل أمورنا سلسة. ليس المطران إطفائيًا لأحقادكم.

أحب ان أتعلّم أكثر من اجل تعليمكم وان أحب أكثر لتروا فيّ صورة المسيح. قال القديس إغناطيوس الأنطاكي الشهيد: «الأسقف أيقونة المسيح». هو في الوظيفة الأبوية صورته وفي عمل المحبة صورته.

فمن شاء ان يكرم المسيح يكرم الأسقف. والتكريم ليس بالمجاملة ولكن بالطاعة لكلمة الرب التي يحملها المطران إليكم. ومن المفروض انه يحملها. اذكروا دائما ما قاله بولس ان ثمر الروح هو اللطف. ألطفوا بعضكم ببعض والطفوا بالكاهن المحلي وأطيعوه هو أيضًا وعززوه لأنكم بذلك تكرمون المسيح.

كم أضعنا سنين بالترهات والجدل العقيم والمواقف العدائية وتمزيق بعضنا بعضًا. كم أضعنا فرصة التعلم وفرصة الصلاة الصادقة وفرصة الغفران. «هوذا الوقت وقت مقبول». عودوا إلى اللطف الكبير وإلى المحبة التي لا حد لها وليرأف كل منكم بالآخر ولا يقبحه ولا يكن له ديّانا. دعوني اشعر اننا نمشي معًا واننا اليوم أفضل مما كنا في الأمس واننا غدًا ذاهبون إلى استرضاء الله بالإيمان واننا بتنا مجتمع الكلمة لا مجتمعا مدنيا فقط يسمّينا أرثوذكسيين تسمية. «أحبوا بعضكم بعضا كما أنا أحببتكم» ولا تتركوا مجالا للخصام فالله إله سلام وليس إله تفرقة.

Continue reading
2004, مقالات, نشرة رعيتي

العجائب اليوم/ الأحد 3 تشرين الأول 2004 / العدد 40

وعد يسوع بان عجائب ستحدث بعد مروره على الأرض: «هذه الآيات تتبع المؤمنين. يخرجون الشياطين باسمي ويتكلمون بألسنة جديدة. يحملون حيات وان شربوا شيئا مميتا لا يضرهم ويضعون أيديهم على المرضى فيبرأون» (مرقس 16: 17 و18). كذلك سرد سفر أعمال الرسل ان بعضا منهم صنعوا عجائب. ذلك ان قوة المسيح تمتد إلينا عبر الروح القدس. وهذا ليس محصورا في القديسين ولكن ناسا أحياء صنعوا معجزات. ذلك ان لله ان يتدخل في الترتيب الكوني القائم. فهذا الترتيب لا يقيّده هو.

أما كيف يحدث هذا، كيف تتحول عين أعمى إلى عين بصيرة فهذا ما لم يترك الرب لنا علما به. فإذا حصل الشيء نلاحظه ونحن لا نعرف كيف حصل. غير ان الرئاسة الروحية لا تعلن، بصورة عادية، ان الأمر حصل أو لم يحصل. يمكن ان يشهد الأطباء بأن حدثا حدث وان ليس عندهم تفسير علمي له. ويشهدون عن ذلك خصوصا في الأمراض العضوية مثل تمدد شرايين كانت ضيقة أو شفاء سرطان، ولكن الأطباء عادة لا يقيمون وزنا لأمراض الأعصاب كالشلل إذ هم متيقنون ان الكثير منها مرتبط بأسباب نفسانية. ولكن الكنيسة ليست كلية طب وقلما تتكلم عن حدوث شيء.

في هذا الإطار يطرح السؤال عن وجود «أيقونات عجائبية». نحن لا نتكلم على غير الأيقونات إذ ليس عندنا في الفن الطقوسي الأرثوذكسي شيء آخر. في كل البلدان الأرثوذكسية يقولون عن هذه الأيقونة أو تلك انها عجائبية. أما اللاهوتيون فيقولون شيئا آخر. يقولون كل أيقونة عجائبية بمعنى ان الرب يستخدمها لشفاء من صلى أمامها وبمعنى ان ليس من أيقونة محددة تحمل طاقة الشفاء.

يبقى ان الكتاب المقدس لا يريدنا ان نبالغ في الاهتمام بالعجائب. هناك ثلاثة أقوال قاطعة تبعدنا عن حمّى طلبنا للمعجزات. أولاها: «جيل شرير وفاسق يطلب آية ولا تعطى له آية الا آية يونان النبي. لأنه كما كان يونان في بطن الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليال هكذا يكون ابن الإنسان في قلب الأرض ثلاثة أيام وثلاث ليال» (متى 12: 39 و40). اجل لم يحصر يسوع آياته في قيامته ولكنها آية الآيات بمعنى انها أعظم من كل عجائبه ومن كل العجائب التي ستجري في تاريخ الكنيسة. ثانيها قوله: «آمِنوا بسبب الكلام الذي كلمتكم به والا فآمنوا بسبب الآيات» (يوحنا 14: 11). وهنا يجزم يسوع ان كلامه أهم من كل المعجزات وان الانشغال المفرط بالعجائب يدل على ضعف الإيمان. وثالثها كلام بولس الرسول: «اليهود يطلبون آية واليونانيون يطلبون حكمة، وأما نحن فنكرز بالمسيح مصلوبا عثرةً لليهود وشكًا لليونانيين» (1كورنثوس 1: 22-23). المسيح نفسه هو الذي نبشر به ولا نقضي أوقاتنا لنسرد حكايات حول العجائب.

فإذا أنت رأيت أعجوبة ورويتها لأحد الناس ولم يصدقها، فهو حر ولا تستطيع ان ترميه بتهمة ضعف الإيمان. مرجعيتك ومرجعيته هو ما جاء في كتاب الله والإيمان الأرثوذكسي بعامة. ان تقول ان العذراء ظهرت لفلان أو فلان ولم يصدّق فهو حر أيضا. بعد المسيح لا شيء يربطنا لزوما الا ما قاله هو وقالته الكنيسة عنه.

الناس يحبون الخوارق. والكنيسة حذرة جدا تجاهها. أما إذا حدثت معك أعجوبة فهي رسالة إليك من الله، ولا معنى للمعجزة الا إذا قادتك إلى التوبة. الأعجوبة صلة خاصة بينك وبين الرب وقد تكون صلة بين الرب وبعض من الناس.

الكلمة الإلهية هي الثابتة. وتتلقاها أنت. وإذا فهمتها بشكل صحيح تخلّصك. وأما الباقي فيحتاج إلى تدقيق كثير.

Continue reading
2004, مقالات, نشرة رعيتي

عيد اليوم (عيد القديس يوحنا الانجيلي)/ الأحد في 26 ايلول 2004/ العدد 39

هو ذكرى يوحنا الإنجيلي المسمى اللاهوتي لأنه غاص على ألوهية المسيح كما لم يغص سواه بعد ان تحدث الإنجيليون متى ومرقس ولوقا، بنوع اخص، عن بشرية المسيح (حوادث سيرته والعجائب والأمثال). هو يوحنا بن زبدي اخو يعقوب وكانا من قرية بيت صيدا في الجليل وقد دعاهما يسوع اليه فيما كانا في السفينة مع ابيهما فتركاه والشباك والتحقا بالمعلم. وقد دعى نفسه في الانجيل “التلميذ الذي كان يسوع يحبه” واتكأ هو على صدر المعلم في العشاء السري.

            كان السيد يصطحبه مع بطرس ويعقوب في غير مناسبة ولاسيما إلى جبل التجلي حيث عاينوا مجده. وعاين المجد نفسه لما كان مع والدة الإله عند قدمي المصلوب وهناك قال يسوع لأمه: “هوذا ابنك” ثم قال للتلميذ: “هذه امك”. ونفهم من هذا الكلام ان مريم أمست منذ هذا الوقت أُمًّا لكل تلميذ حبيب.

            ودخل مع بطرس إلى قبر المعلم فرأى الأكفان موضوعة وحدها. وبعد القيامة بفترة طويلة اي بعد رقاد والدة الإله التي كانت تعيش في بيته ذهب إلى آسيا الصغرى (تركيا الحالية) واستقر في أفسس حيث قاوم حركات ضالة ومنها الحركة اليهودية المتأثرة بالفلسفة اليونانية. وذاع صيته فاستحضره الإمبراطور دوميتانوس وحقق معه وألقاه في قدر مملوء زيتا مغليا الا انه خرج سالما من القدر فنفاه إلى جزيرة بطمس ونشر الايمان فيها ووضع فيها سفر الرؤيا ثم كتب انجيله وعاد إلى أفسس إلى ان رقد في الرب وبلغ من العمر ما يزيد على المئة. ما يؤكد الرواية الانجيلية التي تتحدث في آخر الانجيل انه تبع المعلم فيما كان سائرا مع بطرس بعد القيامة وجاء فيها: “فالتفت بطرس ونظر التلميذ الذي كان يسوع يتبعه وهو ايضا الذي اتكأ على صدره وقت العشاء وقال يا سيد من هو الذي يسلمك. فلما رأى بطرس هذا قال ليسوع يا رب وهذا ما له. قال له يسوع إن شئتُ ان يبقى حتى اجيء فماذا لك” (يوحنا 21: 20-23).

            الحقيقة ان يوحنا باقٍ بانجيليه حتى يومنا هذا فإنه قال في المسيح اقوالا الهية خلابة بدءا من المطلع: “في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله وإلها كان الكلمة”. ثم عندك الحديث مع نيقوديمس والحديث مع السامرية والخطاب عن الخبز السماوي والخطاب عن الراعي الصالح وخطبة الوداع المؤلفة من اكثر من ثلاثة إصحاحات نقرأها جميعا في القراءة الاولى من القراءات الاثنتي عشرة يوم الخميس العظيم مساء. لا يسمو معنى على المعاني الموجودة في الانجيل الرابع الذي كتبه يوحنا وليس مثله ما يقنعك بألوهية السيد. صحّ انه ينبغي ان نقرأ العهد الجديد ولكن الذروة في يوحنا. كل كلمة منه تكشف لنا بهاء المسيح. كل كلمة منه تظهر لك ان المسيح والآب واحد وأنت واصل إلى الحياة الأبدية بالمسيح وانه هو الذي يسكن فيك بالروح القدس ويعمدك بالروح والنار. كلمات لاهبة تحييك من العدم وتنقلك إلى السماء ولو كنت لا تزال على الارض.

            إلى هذا الانجيل وضع يوحنا ثلاث رسائل أُولاها وهي الكبرى تحدثك عن المحبة وذروة الكلام فيها ان الله محبة.

            كل شيء في هذا الانجيل يختصر بكلام السيد: “أحبوا بعضكم بعضا كما أنا أحببتكم” أي حتى الموت. ومحبة الإخوة تبدو ثمرة لمحبة الله ايانا.

            ويقول تراثنا أن أهل أفسس كانوا يقولون ليوحنا: “لماذا تردد لنا: أحبوا بعضكم بعضا” فكان يجيب “اني لم أتعلم شيئا آخر لما كنت متكئا على صدر المعلم”. المسيحية كلها في كلمة المحبة. وهكذا يكون الإنجيل الرابع أعطانا جوهر المسيحية فان أردتم دخول هذا الجوهر فطالعوا هذا الكتاب باستمرار.

            وحتى نشكر لله عطاء محبته بيسوع أردت أن يطلق اسم هذا الإنجيلي على الكنيسة الجديدة التي أنشأها أهل كفرحاتا (الكورة) في بلدتهم وجاءت روعة في الهندسة المعمارية البيزنطية وهي على وشك الانتهاء. وهي الوحيدة في الكرسي الأنطاكي التي تحمل هذا الاسم. هذا كان تأكيدا مني ومن المؤمنين على ان خلاصنا ان نسير على دروب المحبة ليسوع المسيح المخلص.

Continue reading