Category

2000

2000, جريدة النهار, مقالات

فلسطين الأبديّة / السبت 21 تشرين الأول 2000

فلسطين الدعوة أكبر من الأرض. يذهلني فيها أنّها لا تسكن دار الخوف، أنّ رجاءها أعظم من واقعها. أفهم أن تكون مشدودة بين مرارة الوعود وضياء التطلّعات حتّى يعمّ الفهم الدنيا وتنصف فتصبح القدس محكّ الصدق. وقد تعظم صحوتها ببركات الدم المراق وكيف يهدي العالمين. إن لم ننظر إلى فلسطين حدثًا روحيًّا كبيرًا نبقى أسرى مشاعر من هذه الدنيا. أنا هذا لا يكفيني ولا أتجنّد له. أنا مع هؤلاء القوم في مظلوميّتهم ومع القدس في نورها. دم الظالم ليس فيه شهادة. أنا مع فلسطين حتّى تسمو وأرتفع بها. وما التفاف أبنائها إلاَّ نداء إذا سمعت إليه يزكّيني في إنسانيّتي ويجعلني أكثر نباهة وأشدّ إحساسًا في كلّ مساعيَّ. وإذا تبرّر إنساني الداخليّ بالقدس أنظر إلى لبنان مقدسيّ الدعوة أي مطرحًا سماويًّا استلهامًا ففعلاً إنسانيًّا يتفجّر ضياء.

فلسطين ترعى عهد الحبّ بعذابها وتحيا حرّة به وحرّة منه، مرشّحة للقيامة في هذا الدهر، مختارة بالحبّ الذي ينزل عليها. ولذا، بمعنى، كانت فوق السياسة. لذلك لست أنت مختارًا بين حبّك إيّاها وعدمه. أنت مبارك بها. هذا حوار المرئيّ وغير المرئيّ الذي تكون فيه المحسوسيّة مرآة اللامحسوسيّة واللحظة طفرة إلى الأبد. هذا وحده يعيدك من الهروب. لذلك كانت المقادس الفلسطينيّة رياضة قلوبنا.

الذين يموتون معًا هم دائمًا واحد. وما أعرفه من متابعتي التحرّك الفلسطينيّ منذ 1936 هو أنّ الذين ناضلوا معًا صاروا معًا في حلم الأجيال اللاحقة. هذا أنشأ وطنيّة واحدة عندهم، ولم ينكشف فيها انغلاق طائفيّ، وقدروا على خطاب عربيّ حضاريّ أرادوه بمشاركة اليهود لمّا عاد النضال مع الثورة في أواسط الستّينات. ثمّ خاب الأمل من كيان واحد. ولعلّ اللغة القوميّة هناك تتجاوز ثنائيّة المسيحيّين والمسلمين التي نحكيها في لبنان. لغة نكهتها علمانيّة بمعنى أنّ التوق باقٍ إلى وجود وطنيّ جامع. وعند حلول السلام لا بدّ من أن يواجه الفكر الفلسطينيّ إشكاليّة العلاقة بين الوعي القوميّ والصحوة الإسلاميّة، وهي إشكاليّة مطروحة منذ بضع سنوات على مطارح البحث في محافل بيروت.

#   #   #

هذا التلاقي المسيحيّ – الإسلاميّ مرموز إليه في القدس لكونها كانت قبل احتلالها موطن الجماعتين الكبيرتين. ولا تزال من زاوية الأماكن المقدّسة كذلك. ليس في المدينة العظيمة أيّ أثر يهوديّ يذكر ما عدا بعض الحجارة التي تسمّى حائط المبكى. وحتّى اليوم لم ينبش أثر من هيكل أورشليم، لأنّ الهيكل الثاني أحرقته كلّيًّا الجيوش الرومانيّة السنة الـ70 ولم يبقَ منه حجر على حجر كما تنبّأ له المسيح.

أقول هذا ليس من أجل الحديث التاريخيّ ولكن لأوضح أنّ هذه الثلاثيّة اليهوديّة – المسيحيّة – الإسلاميّة ليس لها تجسيد يذكر حتّى اليوم إذا اعتبرنا المدينة داخل السور. وهي الوجود التاريخيّ الذي ألصقت به، بالإسمنت المسلّح، هذه الأبنية اليهوديّة البشعة جدًّا لتعلو التاريخ وتدفع إلى الكلام العالميّ على وجود ثلاثيّ الجماعات. فإنّ القول المصطنع في الديبلوماسيّة العالميّة كان القصد منه في مرحلة أولى أن يساوي مجتمعيًّا بين هذه الطوائف وفي مرحلة ثانية أن يؤسّس لها حقوقًا متعادلة في المدينة.

تأتي عندئذٍ المرحلة الثالثة من التأمّل لنقول إذا كانت الجماعات الثلاث واقفة معًا في القدس فليتولّ اليهود أو يتولّ المسلمون (وللمناسبة العرب يصبحون المسلمين فقط وهذا يروق الأميركان طبعًا لأن المسيحيين في فلسطين محسوبون على العروبة ولا يطلبون شيئًا لأنفسهم). وإذا كانوا لا يتكلّمون – وأكثرهم غير كاثوليكيّ – يبقى الفاتيكان لسان حالهم لكونه طرفًا قادرًا على المخاطبة الواحدة، ولأنّ المسلمين يريدون دولة مسيحيّة لا يمكن أن تكون إلاَّ الفاتيكان إزاء الدول الإسلاميّة. إنّ منطق الأماكن المقدّسة الذي أتت به الروح الصليبيّة والردّ على هذه الروح هو الذي قادنا إلى الثلاثيّة المذهبيّة. تُكرَّسُ الثلاثيّة في الحضور البشريّ والآثار، ونحن اثنان في الحضور البشريّ قبل التجمّع الصهيونيّ الذي شوّه القدس، واثنان في المجال الأثريّ. فالكلام على الجماعات الثلاث معًا هو من باب الواقع السكّانيّ الحاليّ فقط ومن باب استعمال حقوق الإنسان ولكن ليس له علاقة بالعمق.

#   #   #

على مستوى المعاني يختلف المسيحيّون والمسلمون في تقدير اليهوديّة. المسلمون يعتبرونها دينًا سماويًّا. في السياق القرآنيّ وعلم الكلام هذا الكلام مفهوم لأنّ اليهوديّة في الفهم القرآني هي التوراة وهي عند المسلمين كلام منزل. ولكن إذا رأى المسلمون إلى الكتب الأخرى اللاحقة للتوراة كالتلمود وغيره قد لا يصرّون على قولهم إنّ اليهوديّة دين سماويّ.

قلت هذا لأنّ الموقف «الترحيبيّ» باليهود ومسالمتهم مهيّأ له في اللاهوت الإسلاميّ. أن يقبل المسلمون اليهود على أساس حقوق الإنسان هذا ما أقوله أنا أيضًا. ولكن أن يرحّبوا بهم على أساس الوحدة الإبراهيميّة أي كونهم ينتمون إلى جذع روحيّ واحد فهذا عندي لا أساس له لأنّ لكلّ منا قراءته لإبراهيم. فليس له وجه واحد أو موقع واحد أو معنى واحد في الديانات الثلاث.

المشكلة عويصة ودقيقة بين الفكر المسيحيّ التراثيّ والموقف المسيحيّ الغربيّ طوال القرن العشرين ولا سيّما بعد «المحرقة» واستضافة أميركا اليهود المطرودين من ألمانيا النازيّة. ليس المجال هنا لأناقش الفكر الغربيّ حول أفهوم شعب الله. هل اليهود لا يزالون شعب الله أم إِنّ هذا هو إسرائيل الجديد أعني الكنيسة.

هل هناك اختيار للعبرانيّين أم إِنّ المختار الوحيد هو يسوع المسيح ومن صاروا إليه. هل اليهود «شعب الوعود والبركات» وعلى المسيحيّين أن يتقبّلوهم بهذه الصفة؟ هذه تأمّلات دخلت فعليًّا في سياسة الولايات المتّحدة وجاءت من القراءة الظاهريّة والحرفيّة للعهد القديم.

ربّما اضطرّ الفكر الغربيّ اليوم إلى أن يوفّق بين هذا اللاهوت السيّئ وواقع الظلم الحالِّ في الشعب الفلسطينيّ. أنا لا أدعو إلى أن نجتمع مسيحيّين ومسلمين على عداء لليهود. هذه عندي عنصريّة توقعنا في هذا الذي وقع فيه هتلر وجعلنا نرث نتائجه. لولا هتلر لما دعمت أميركا والاتّحاد السوفياتيّ الكيان الصهيونيّ هذا الدعم الكبير السنة الـ1948. أيّ استدعاء لشعور عدائيّ للشعب اليهوديّ يحلّ بنا أذى كبيرًا. كما أنّ أيّ التماس قربى روحيّة على أساس دين سماويّ (الإسلام) أو قربى روحيّة في وحدة الشعب المختار (المسيحيّة الغربيّة) يشوّه المسيرة.

ما من خطاب يحيي فلسطين في أذهان العالم المتحضّر إلاَّ كونها مقهورة وكونها في مقهوريّتها معطّلة للسلام آجلاً أم عاجلاً. كنت دائمًا أتمنّى أن يخرج اليهود من غباوتهم ليفهموا أنّ محاصرة الحاضر الفلسطينيّ خير خدمة لتفجّر المستقبل الفلسطينيّ.

هل يزيد العرب شيئًا على الخطاب الحضاريّ الفلسطينيّ في العالم ما عدا الحماسة ومشاركة الاخوة في المجال العمليّ. قلنا إنّه أوّلاً في نطاق النفط ولو افتقر العرب؟ أعتقد أنّ الخطاب الفلسطينيّ لن ينجح ما لم يكن وطنيًّا أي قائمًا على وحدة فلسطين بالتساوي الحقّ بين أبنائها، الأمر الذي يجعله قوميًّا بصورة سليمة أي بصورة لا تجرح وحدة الداخل.

لا مانع من استنفار العالم الإسلاميّ (لكن كلّ شيء متوقّف على اللهجة وفحوى الخطاب). ولكن بالقوّة ذاتها ينبغي استنفار العالم المسيحيّ المتحسّس للعدالة. لقد لمست تعاطفًا عظيمًا وفلسطين في مجالات غربيّة ما كانت كبيرة التحسّس لقضايانا سابقًا. ولكن ضمن مخاطبتنا للغربيّين بمن فيهم العلمانيّون اختبرنا نحن أنّ تحويل الأنظار إلى وجود مسيحيّين في فلسطين أتى عنصرًا مفيدًا للقضيّة. وهذا أمر ليس فيه إثارة لأحد. المهمّ أن يبقى العدل محور التخاطب. بعد ذلك، وفي صبر كبير، أترجّى حلول البهاء.

Continue reading
2000, جريدة النهار, مقالات

القدس والمجد / السبت 14 تشرين الأول 2000

من كلّ المشاهد الفلسطينيّة لا شيء حرّكني مثل انتفاضة الحجارة منذ تفجّرها حتى عودتها اليوم. يدهشني أنّ فتيانًا عزَّلًا (ما فعل هذه الحصى؟) يقولون لا لعسكر. هذا الرفض كان عندي قّمة في بلاغة الصدّ، قمّة في الشهادة كما نفهمها إنجيليًّا. في خطّها وأفصح كان عندي موت هذا الطفل الربيعيّ محمّد الدرّة الذي قلت عنه في موعظتي الأحد الفائت: «نحن مع محمّد الدرّة حبًّا واسترحامًا». في الليلة التي تلت القدّاس تابعت ياسر عبد ربّه في برنامج «حوار العمر». خلال ثلاث ساعات استطاع أن يتكلّم على آلام شعبه بلا حقد. المقاومة الفلسطينيّة صارت عند بعض أو عند كثيرين تراث حبّ.

يجرحك الظلم، وهل من حاجة إلى تبيانه بعد هذا القهر الممارس على شعب كامل على مدى الأراضي المقدّسة؟ والظلم الأكبر في رعاية القهر ورعاية استمراره على رغم صرخات الأنبياء. كانوا دائمًا يتساءلون كيف تصبح أورشليم قاتلة. كيف لا يقرأ يهود اليوم التنديد المستمرّ في تراثهم بالقتل. «ويل للقائلين للشرّ خيرًا وللخير شرًّا، الجاعلين الظلمة نورًا والنور ظلمة» (إشعياء 5: 20). هذه فاجعة في شعب موحِّد مثلنا دعي إلى العدل والدينيّون فيه قتلة. يستنفرون البشر جميعًا إذا حلّت فيهم الفواجع ولا يقلقون إذا هم أحلّوا الفاجعة في الآخرين. هذه مأساة في العالم الدينيّ الذي إليه ينتمون، ولا يقرأ أحد المأساة في هذا النطاق. حقّ لإرمياء أن يقول: «من يشفق عليك يا أورشليم ومن يرثي لك ومن يميل ليسأل عن سلامتك. إنّك رفضتني فمددت يدي عليك وأتلفتك» (15: 5-6). هذا التوبيخ القديم لماذا لا يستعمله أحد في الغرب المسيحيّ بوجه إسرائيل الحاضر الذي يبقى الولد المدلّل. قلناها في هذا المنطق منذ 52 سنة وكرّرناها مع الأجيال علّهم يسمعون، ولكنّهم صمّوا آذانهم وانحازوا وكأنّهم يضطرّونك إلى الدم.

#   #   #

وأريق الدم في مقام السجود والأرواح التي زهقت هناك صارت هي المسجد إذ قامت للأجساد «بركعتين في العشق لا يصحّ فيهما الوضوء إلاّ بالدم». ونزل المجد على الأقصى. وأسرى الله بنا إليه روحيًّا ومن الشهادة تعرج أنت إلى السماء. بأيّ معنى تكون القدس طريقًا إلى السماء؟ كلام غاية في التعقيد. في بعض الأدب الدينيّ إنّ القدس وسط العالم. هذا طبعًا صورة يراد بها أنّ القدس في الجسد الكونيّ بمثابة القلب وأنّك أنت إذًا معها بتّ في الرؤيا، في عالم المعاني، وكأنّ الإنسان في حاجة إلى مرئيّ ليدرك غير المرئيّ. من هذا القبيل هي مصبّ الأشواق (الإسراء في قراءتنا) ومنطلق الأشواق (المعراج في قراءتنا). الذي كتب في سبي بابل: «إنْ أَنْسَكِ يا أورشليم فلتنسني يميني» لم يكن طالبًا وطنه فحسب، ولكنّه كان يطلب الحضرة الإلهيّة في الهيكل. ثمّ صارت المدينة المقدّسة صورة عن أورشليم السماويّة الهابطة من فوق كمدينة الله.

بهذه الروحيّة ذاتها كانت السيّدة رابعة العدويّة لا تبغي الحجّ إلى البيت بل إلى ربّ البيت. لا يطلب أحد الحجارة في الأماكن المقدّسة ولكنّه يطلب إيقونة. والتماسًا لما هو فوق لم يهتمّ المسيحيون الأوائل بأورشليم وكانوا قد غادروها قبل سقوطها بأيدي الرومان السنة السبعين. مخلّصهم بات في السماء. وهنا قبره فارغ. وتمثّل بطريركيّة أورشليم منذ القرن الخامس المركز الخامس في ترتيب الكراسي. أن يكون المسيح قَدَّسَ الأرض شيء لا يعني الكثير للمسيحيّين فإنّ كتابه والقرابين التي هي حضوره أهمّ من تراب القدس.

في العمق وعلى رغم الجانب التاريخيّ الذي ترتبط به القدس في كلّ ديانة، إلاّ أنّ الجامع الحقيقيّ بين أهل التوحيد جميعًا أنّ المدينة تتخطّى ذاتها إلى الله. ولكن قبل إدراك وجهه أنت مع الرموز، والخلاف على هذا المستوى أو ما هو دونه أي السياسة. فإذا سيّست الرموز تقول الدولة العبريّة هناك حضور فلسطينيّ فوق الأرض (الحرم القدسيّ) وسيادة إسرائيليّة تحت الأرض (الهيكل الثاني، مع أنّ هذا ليس مؤكّدًا أثريًّا). باصطناع الانتقال من الرمز الدينيّ إلى المطامع كلّ شيء مباح حتّى السخرية.

هناك، إذًا، تلاقٍ بين الأديان حول القدس إذا ابتغينا المعنى، وتنافر إن ابتغينا الرموز.

غير أنّ الخطوة الفكريّة التي قام بها بعض اللاهوتيّين المسيحيّين العرب منذ الستّينات أنّنا انتقلنا من رؤية الحجر إلى رؤية البشر. هذا التضادّ عبّر عنه بهذا اللفظ للمرّة الأولى البطريرك الياس الرابع في مؤتمر القمّة الإسلاميّ في لاهور وكان على رأس وفد جمع الأرثوذكسيّين والموارنة. في إحساس أوّل تنتقل من الأماكن المقدّسة إلى اللامكان، إلى وجه ربّك، وفي حركة ثانية من الإحساس والفكر تهبط من وجه الله الكريم إلى الوجوه المتعايشة في المدينة التي تمسي في حقيقتها مقدّسة بالعدل الذي يحقّ لهم على الشعوب.

#   #   #

وحدة فلسطين، بصرف النظر عن السجالات التاريخيّة حول الأحقّيّة في الوجود لهذا أو ذاك على هذه البقعة أو تلك، كانت هي صميم العدالة لليهود والعرب لو تخلّى اليهود عن الفكرة الصهيونيّة. ولكنّا ذهبنا إلى مدريد، إلى أوسلو، ووحدة فلسطين أرجأها الدم.

السياسة كلّها تسوية، ولكن ثمّة تسويات غير معقولة ليس فقط لكونها مذلّة ولكن لكونها غير قابلة الحياة. ما هو ضمن السياسيّ المعقول اليوم بانتظار المرتجى، هو أوّلاً – فلسطين مصغّرة في الضفّة والقطاع وقدس شرقيّة كاملة السيادة ومترابطة أجزاؤها، ثانيًا – أرض بلا مستوطنات، ثالثًا – عودة اللاجئين إلى بلداتهم وقراهم. والبقيّة تفصيل.

هذا يضطرّ الطرفين إلى العودة إلى طاولة التفاوض إن لم تتجاوز الأزمة الحاضرة كلّ هذا التأمّل، إذا لم تجنّ الدولة العبريّة إلى منتهى جنونها وإذا لم يذهب أحبّاؤنا في فلسطين إلى كامل بطولاتهم.

بانتظار ذلك ينتظر العرب مؤتمر القمّة. أنا لم أفهم لماذا تأخّر تاريخه. كيف يتفرّجون على المذابح وتبقى لهم أعصاب؟ قدرنا أنّ شهرزاد تنتظر الحكي دائمًا، والعروبة تحبّ الإنشاء وتعتقد أنّ كلامها فعل. أقلّ ما يمكن العرب الذين تبادلوا السفارات وإسرائيل أن يجمّدوا الفعل الديبلوماسيّ.

هذا بدء لفعل عربيّ غايته القصوى أن تتوسّط أميركا بإنصاف بين إسرائيل والعرب. والمؤسف أنّ اللاعب العربيّ لا يمكن أن يبقى إلى الأبد ألعبانًا ليظنّ أنّه يستطيع أن يقاوم إسرائيل من غير أن يوجع أميركا. هذا السيرك العربيّ لا يمكن أن ينقذ فلسطين. هناك أمر يوجع الولايات المتحدة وهو النفط. أن تبقى مستغلّة النفط العربيّ بلا حدود ولا حساب، أن تبقى مرتاحة إلى الواقع العربيّ والإنشاء العربيّ ضدّها، يعني أنّها في صميم الحياة العربيّة وأنّها لم تقطع حبل السرّة بينها وبين إسرائيل. صمود الأمّة العربيّة مجتمعة أمام الطغيان الأميركيّ لا حقيقة له إن لم نسخّر النفط للقضيّة الفلسطينيّة. على العرب أن يبحثوا هم في آليّة تحدّ من مطامع الأميركيّين في الثروة العربيّة. أمّا الكلام على إرسال جيوش أو متطوّعين لمناصرة الفلسطينيّين (من أين؟) فهو مجرّد أغنية تغنّى.

الفلسطينيّون لا يموت عربيّ من أجلهم. اليوم شرف العرب لا ينقذه إلاَّ الشابّ الفلسطينيّ في القدس والناصرة وغزّة وما إليها. لا أعرف آليّة هذا الخلاص، ولكن ما أعرفه أنّه يفيض من القلوب الفلسطينيّة الباسلة التي حالفت الحياة.

Continue reading
2000, جريدة النهار, مقالات

المجد الباطل / السبت 23 أيلول 2000

يقال له في اليونانية المجد الفارغ لكون صاحبه يظن ان عنده شيئا وليس فيه شيء. عند المصابين بهذه الشهوة مركز وجودهم هو الانا. اما المتحرر فلا يحسب ان هذه الدنيا تغنيه لكن الهه يغنيه. الواقع في هذا الهوى الكبير. يستعلي مما يملك. اما الحر من عبودية الملك وعبودية الافتخار فيرى نفسه فقيرا. الذي ملكته الارض يحسب انه مالك الارض وسيدها ويسعى الى سلطان على البشر. ورغبته في ان يراه الناس ويعجبوا به ويقدروه ويمدحوه. ويعجب من عدم انبهارهم به.

الحسناء تظن انها تملك حسنها والثري ان له حقا في الثراء وقد يذهب المثقف الى ان ثقافته عظمة له. الانيق والانيقة قد يحسبان ان الاناقة توجب على الناس الافتتان بهما ويذهلان انهم لم يفتتنوا. لا يعرفون ان هندامهم وعطورهم وما يتبرجون به ليست هي اياهم ولكنها اشياؤهم. وقد لاحظ القديس مكسيموس المعترف ان هناك جدلية بين المال والفخار. الذي يمجد نفسه يسعى الى المال والمال ينشئ فينا المجد الباطل. وهذا كله يجلب الترف والبذخ. فأنت باذخ بسبب من زهوك. وقد تسعى الى وظيفة او مكانة لتبقي الزهو. غير ان المال ليس فساده فيه ولكنه وسيلة الى السلطة وعشقها. المال ذروة فساده انه يبعث فيك حب التسلط. ولكونك وحدك موجودا يهمك ان ترى الناس عبيدا لك. “انا ربكم فاعبدوني”. ولهذا تقضي حياتك في التفتيش عن عبادة لك.

وقد لا يكون المال وحده سبيل اغراء الاخرين بك. فكثيرا ما يفخر القوم بما يعرفون. بشهاداتهم العليا، بجمال خطابهم او ما يكتبون. اذ المال لا يكفي صاحبه. بعد كثافة من الثروة تنشئ صحيفة ليقال انك مثقف او تجمع مكتبة لا تقرأها لأنك في داخلك تحس ان كثرة من الناس لا تسكرهم ثروتك ولكن ما من انسان لا يهتز للثقافة. تتظاهر بها او يظنونك عليها اذا عقدت حولك مجلسا من العلماء او الشعراء او حضرت حفلة موسيقى كلاسيكية لا تفهم منها شيئا ولا تذوقها.

ومن الناس من ليس عندهم مال او تغلبوا على شهوته. وعندهم فضائل حقيقية. تجربة الشيطان اياهم ان يفخروا بفضائلهم لكونهم نسوا انها من الله وان ليس لهم فيها شيء. هذا النوع من الفخار يقع فيه من صار لهم في الفضيلة معراج واقتنوا الكثير منها واوغلوا بالنزاهة في محيط قليل النزاهة او تشددوا بالعفة حيث يكثر هاتكوها. ان ترى نفسك فاضلا مع حفنة قليلة من الفاضلين من شأنه ان يوحي اليك انك من الاعزة المقربين الى الله وينسيك انك صرت الى البهاء فقط برحمة من ربك. وفي هذا قال السيد: “كيف لكم ان تؤمنوا وانتم تتلقون المجد بعضكم من بعض واما المجد الذي يأتي من الله وحده فلا تطلبون” (يوحنا 5:44).

هناك اذاً مجد حقيقي يأتي من الله، هذا هو الهابط على المتواضعين. ولكونك احتجبت دون نزول هذا المجد عليك تذهب الى مصادر المجد البشرية. وقد قال الرب لهؤلاء: “انكم لا تستطيعون ان تؤمنوا”، ذلك ان ايمانك تعطاه من الله وليس لك فيه شيء. فالله اذا مجدك يمجد نفسه فيك. هؤلاء لا يقدرون ان يؤمنوا لأن الايمان، لغة، ان تجعل الله مأمنك، وهذا يعني ان ترى النور فيه. واذا ارتفعت عيناك الى وجهه يمحي وجهك في عينيه.

من الصعوبة بمكان ان نتنزه عن المجد الباطل. انه يلاحقنا من كل صوب. فالانيق مثلا اذا لبس ثوبا جديدا يعتز به. واذا اهمله وارتدى ثوبا غير باهظ الثمن يفتخر بأنه تواضع. ومن يقول كلاما جميلا يفتخر ومن صمت عنه يفتخر. عند آبائنا النساك ان هذا المرض يشبه البصلة. فكلما نزعت عنها قشرة تظهر قشرة اخرى. لكن نباهة النفس تكشف لك حقيقة قول الرسول: “من افتخر فليفتخر بالرب” (2كورنثوس 10:17) لذلك كان من سعى الى ان يظهر يمدح مادحيه لكونهم يغذون فيه الحياة التي اصطنعها لنفسه.

المأساة هي هذه ان من انتفخ هكذا واستكبر لا يعرف تفه الاشياء التي يسبح فيها ولكنه يحسب المتواضعين اغبياء. يعطي قيمة لما ليس بقيمة ووجودا لما ليس بوجود. لا يرى هشاشة ما بين يديه ولا يرى المتعلم المنتفخ انه قد يجن ولا ترى الجميلة ان اي مرض او حادثة تنهي جمالها. المشكلة عند هؤلاء ان ما يراه الصالحون وهْمًا يراه هؤلاء حقيقة وما يراه الخيرون حقيقة يمسي في نظر اولئك وهْما. هذا هو الهذيان عينه. واذا كان الجنون تحديدا ان نخرج من عالم الواقع لبناء واقع فعاشق المجد يحيا في عالم الاستيهام. انه استيهام، المصاب فيه لا يرى من حوله ان متملقيه كاذبون مستفيدون وانهم يهزأون به في سرهم او مجالسهم. انهم يعرفون ان المصاب بهذا الداء يتقسى قلبه ويحتقر من يستعملهم. ولكونهم يريدون العيش به او منه يسكنون المدح. وكثيرا ما يعرف هذا ان مادحيه كاذبون ولكنه لا يريد ان يواجه حقيقته وقد يمدهم برواتب او هدايا ليتحلقوا حوله. لقد غدا في حاجة الى فراغه اذ لا يستطيع ان يشاهد الاسمى.

هذا المجد الباطل المحدق بنا جميعا لا شفاء منه الا بفكر الرب الذي يريدنا ان نذكر الموت لنشاهد باطل حاضرنا. وللرب اساليب لأنه “حط المقتدرين عن الكراسي”. قد لا يتوب انسان كهذا الا اذا ضربه الرب بجسده. المشكلة ان البشر لا يأخذون عبرة من موت الآخرين. هناك من لا يعتقد حقا انه يموت اذ يتصرف بهذه الدنيا وكأنها جالسة عنده الى الابد. لا يشفى من هذا المرض الا اذا ادرك ان العالم الذي اصطنعه لنفسه انما هو الوهم عينه. قد يفهم اذا رأى سعادة الفقراء وسعادة المرضى الصابرين. المشكلة ان المصابين بهذا الداء يعاشرون فقط من يتجانسون واياه لأن بين هؤلاء جميعا تسابقا على المجد وتسابقا على النفوذ والاثراء.

المهم ان نهرب من كل ما من شأنه ان يرفعنا في رؤية العظماء. لقد اوصانا باسيليوس الكبير ان نسكت الذي يمدحنا. الابرار لا يطلبون مقاما يعظمون فيه. واذا بلغوه فليعرفوا انه خدمة فقط. هناك ترويض للنفس كبير ان لم نتكلم على انجازاتنا وان نهرب من النجومية، الا نتحدث عن قدرتنا واللغات التي نجيد والفساتين المشتراة في باريس، الا نسأل اصحابنا عما اذا كانوا قد قرأوا ما كتبناه، الا نفاضل بيننا وبين الآخرين، الا نذكر احسانا قمنا به وان نسعى الى صنع الخير في الخفاء.

واذا وصلنا الى مقام يضطر الناس فيه الى ان يحتكوا بنا وينبهروا فلنفكر ان المقام مطرح للخدمة فقط ما يجعلنا نقول مع الرسول عن عمل اوكل اليه: “اذا كنت افعله ملزما، فذلك بحكم وكالة عهدت اليّ” (1كورنثوس 9: 17).

في هذا المنصب قد يذلنا الناس. حسن ان نقبل الذل صامتين. الذي أذلك او شتمك او اهانك رسول الله اليك. اعتبره طبيبا لك يؤدبك الله به. ليس مثل نكران الجميل وانتقاص حقوقنا او ازدراء مكانتنا يعلمنا التواضع. كم من مرة شاهدت من اوبخه امام الجماعة يثأر لما يسميه كرامته. انه لا يعرف ان البشر لا يعطونه كرامة. الكبير في الحياة الروحية يخفي عن عينيه حسن خصاله ولا يذكرها للآخرين. واذا وعى خطاياه فيذبل امامه المال والجاه والتشريف الذي يحاط به.

انها لقاعدة لا تخطئ انك ان رأيت لنفسك مجدا في دنياك لا يراك ربك ذا مجد. المهم ان يراك الله فهو وحده مرجعك. ذلك انك ان ابصرت مجده فيك وفي الآخرين تكره التمجيد الذي يأتي من الناس وتدخل في دائرة التواضع الذي اذا ادركته يهبك الحرية كاملة.

Continue reading