في الكنائس المسيحية ازمنة تهيئة لعيد الميلاد. من هذه الأزمنة -المراحل احد الأجداد الذي يحل في الكنيسة الارثوذكسية غدا- ويراد بالأجداد اولئك الذين سبقوا مجيء السيد منذ آدم أمن الشريعة الموسوية كانوا ام من حركة ابراهيم او كانوا من الوثنيين. فانحدار الناصري في بشريته من ابراهيم واضح عند متى ولوقا وتحدره من داود صريح عند بولس. اما تحدره من آدم فيوضحه لوقا ما يعني في قراءة فهيمة ان المسيح غاية الإنسانية منذ نشأتها وفي قراءة اعمق انه مرتبط بكل التراث البشري الذي سبقه وليس مرتبطا، حصرا، بالتراث العبري.
غير ان ما يهمنا في هذه الأسطر الوثنيون الذين لم تنظر اليهم المسيحية نظرة سلبية قطعية ولكنها رأت فيهم لمسات الكلمة الإلهية. فعند صباح العيد ننشد: «اذ نقيم تذكار الأجداد فلنسبح، بإيمان، المسيح المنقذ الذي عظمهم في جميع الأمم». ولفظة «أمم» مصطلح توراتي يراد به الأمم الوثنية. وتدعو الكنيسة الى تسبيحهم وهذا غير معقول ان لم يكونوا على شيء من معرفة الله.
وفي رؤية اكثر وضوحا قولنا في نشيد آخر: «لقد زكيتَ بالإيمان الآباء القدماء وبهم سبقت فخطبت البيعة التي من الأمم». جلي ان الآباء القدماء -ويعني بذلك اننا آتون منهم روحيا- هم آباء هذه الأمم الوثنية التي كانت بيعة (كنيسة) للمسيح على الرجاء اذ يستعمل كلمة خطبتَ ولم يقل تزوجت لأن الزواج قد تم على الصليب وبالبشارة.
في قطعة اخرى في صلاة السحر مدح لملكيصادق الذي لم يكن يسوع من صلبه وكان رجلا كنعانيا اي وثنيا صرفا حسب التصنيف الطبيعي للأديان. هذا جاء ذكره غير مرة في العهدين. غير ان المواضع الأهم لاهوتيا وردت في الرسالة الى العبرانيين حيث يقول الله لمسيحه: «انت كاهن للأبد على رتبة ملكيصادق» (5: 6و10 كذلك 6: 20). ثم يوضح الكاتب انه كاهن الله تعالى (على كونه من الأمم وهو الذي بارك إبراهيم «وله أدى ابراهيم العشر» ثم يقول: «وليس لأيامه بداية ولا لحياته نهاية، وهو على مثال ابن الله… ويبقى كاهنا أبد الدهور» (الإصحاح السابع).
فاللافت في هذا الكلام ان ملكيصادق ليس مثالا للمسيح ولكن المسيح مثال له بمعنى ان المسيح كان، بطريقة ما، في هذا الكهنوت الذي كان ملكيصادق يحمله، بصورة غريبة، في احد الشعوب التي كانت تعيش في فلسطين زمن ابراهيم.
# #
#
استدلاننا حتى الآن ان رباط يسوع بالشعب العبري على وجوده ليس الرباط الوحيد فلوقا يمد الصلة الى ما قبل ابراهيم وكاتب الرسالة الى العبرانيين يهتم للنمطية الروحية القائمة بين المسيح وملكيصادق والكنيسة رأت لنا في الزمن الوثني آباء. النمطية توسع المسيح الى أبعد من جسده كذلك التسلسل الآدمي (وليس فقط الإبراهيمي) يجعل المسيح من البدء مصبا انسانيا وتاريخيا أشمل من اليهود. هذه الكونية تبطل اللاهوت الغربي المعاصر الذي يحصر المسيح في مركزية يهودية ويشدد على ذلك تشديدا عصبيا. وقد ظهر في هذه الحركة من يقول ان المسيحية فرقة من الفرق اليهودية في إصرار لتذويبنا في البوتقة اليهودية.
ازاء ذلك لا معنى لجعل المسيح آراميا. هذا يذهب ضد تأكيد العهد الجديد على ان يسوع متحدر من داود. لا ينبغي ان نشوش التاريخ بإسقاط صراعات حالية على الماضي. والأهم من ذلك ان الناصري واضح باستشهاده بالعهد القديم وفي تردده على مجامع اليهود (الكنس) في السبوت وتلاوته الأنبياء في مجمع الناصرة. معنى ذلك ان السيد كان يقرأ العبرية بسهولة وما كان يعرفها سوى الربانيين غير ان لسانه كان اللسان الآرامي وبه وعظ في مجمع الناصرة على نص من اشعياء. الى هذا ليس ما يشير الى انه كان يعرف اليونانية. فقط اليهود الذين عاشوا في الشتات اذا استوطنوا فلسطين كانوا عالمين باليونانية.
# #
#
اما التواصل بين كتب العهد الجديد والثقافة اليونانية فأمر آخر. وهذه مناقشة كثيرة التعقيد وتتبدل فيها مواقف المفسرين. ربما امكننا ربط بعض الجمل القليلة لبولس بالفلسفة الإغريقية، بالرواقية مثلا. ولكن النَفَس العام في العهد الجديد ليس اغريقيا. هذا فكر شرقي، سامي. لذلك يحق القول اقله في زمن التأسيس ان المسيحية لا صلة لها باليونان.
غير ان المسيحين في القرنين الثاني والثالث قالوا ان اليونانيين كانت عندهم حقائق هيأتهم لاقتبال الإنجيل. وهذا ما سماه القديس الفيلسوف يوستينس الشهيد «الكلمات المزروعة» والكلمات جمع للفظة الكلمة (لوغوس) التي سمى بها الإنجيل الرابع المسيح. فالحقائق التي فيها خلاص كانت عنده حضورا للمسيح على طريق الاستباق وهي تاليا شبيهة بالنبؤة العبرية. غير ان اقليمس الاسكندري ذهب ابعد من ذلك وقال ان الفلسفة اليونانية عهد بين الله والأمة اليونانية اي انه استعمل اللفظة التي تطلق على التوراة والإنجيل. من هذا القبيل كان في الثقافة اليونانية ما هيأ لفكر المسيح بلا استمداد هذا من ذاك.
لا بد هنا من ان اؤكد ان يسوع الناصري لم يتأثر من اي باب بالفكر الهندوسي او الفكر البوذي. انه لخرافة القول ان السيد سافر الى الهند. الفكرة ظهرت فقط في القرن التاسع عشر عند كاتب انكليزي خالية من اي سند. الحجة الكبرى عندي انك لا تعثر على فكرة هندوقية واحدة في الأناجيل. هذا لا يمنع تلاقيا بشريا في الطاقة بين فكر وفكر. اما سؤال بعضهم اين كان المسيح قبل بلوغه الثلاثين فالجواب البسيط عنه انه كان يعمل نجارا في الناصرة ولا تسمح له التقاليد اليهودية بالتبشير قبل بلوغه هذه السن.
كل هذا الكلام سيق عن بشرية المسيح وهذه فيها تاريخ. وليس علينا حرج ان نقول ان يسوع الناصري يجيء في بشريته من فكر الأنبياء وقد يكون متصلا بالفكر العبري اللاحق لكتابة التوراة وهناك ما يدل على انه كان ملما بالمدارس التفسيرية القائمة في بلده مع ان شيئا لا يدل على انه كان مدينا لمذهب الرهبان الذين عاشوا في قمران. ولكنه كان يعرف المعمودية التي كان يجريها الفريسيون للدخلاء الوثنيين على الديانة اليهودية. يتخذ طقسا خارجيا ويملأه بمعنى جديد وهو موته وقيامته.
كل هذا لا يعطل كون المسيح بدءا مطلقا من حيث المعنى. وهنا أضيف البعد الإيماني في ما هو بدء فيه اذ يقول بولس: «ففيه خُلق كل شيء (بمعنى انه مكان روحي لبدء الخلق) كل شيء خلق به وله (بمعنى انه غاية الخليقة السائرة اليه في حركتها التاريخية). هو قبل كل شيء وبه قوام كل شيء (ذلك لأنه الكلمة المبدع). واذا أكمل بولس الرسول فكره ليتكلم على الخلاص يقول عنه: «هو البدء والبكر من بين الأموات لتكون له الاولية في كل شيء. فقد حسن لدى الله ان يحل به الكمال كله» (كولوسي 1: 16-19). وفي هذا يتخطى اجداده والآباء ويصير هو المنطلق لكل نبضة روحية في قلب العالم. ذلك انك لا تقدر ان تزيد شيئا على الحب. اجل هو أتى فكريا من الانبياء القدامى وفيه انصبت المعاني التي انبثقت في التراثات القديمة بما في ذلك حضارات الشرق القديم. غير ان طهّر كل ما سبقه واعطاه حياة صبت اليها البشرية التائقة الى الحقيقة ولكنها ما ادركتها الا به، ذلك ان البشرية كان يعوزها الحب الذي كشفه هو وحده كاملا مطلقا. وهذا الحب كان سر كل خير يتم وكل كلمة تخلص.
