لم اعثر على هذا النص الا منذ ايام وهو جدير جدا بالانتباه ثمرة للقاء كبير عقدته في بيروت في 14 كانون الاول الماضي بدعوة من الجماعة الإسلامية حوالي 250 جمعية وهئية وشخصية، يبدو من إشارة فيه الى دار الفتوى انها كانت سنية. يقع في ثلاثة اقسام. القسم الاول المنطلقات الفكرية والثاني المشاركة الوطنية والثالث الخيار العربي ومواجهة المشروع الصهيوني بكلام آخر ثوابت دينية ومتحولات سياسية. هذا العدد من الجماعات المشتركة يدل على ان البيان يمثل شرائح من المجتمع الإسلامي تبدو كبيرة. والنص يذكر المسيحيين والمسيحية كثيرا فكان لا بد من إمعان النظر فيه.
بدءا قيل ان الشريعة «تهدف الى بناء المجتمع الانساني على قواعد الرحمة والعدالة والمساواة، ورعاية الحريات». هذا تصريح يحتاج الى دقة. هل في الشريعة مساواة كاملة بين المسلم وغير المسلم على كل صعيد وهل هناك حرية للانتقال من دين الى دين وهل من مساواة كاملة بين الرجل والمرأة؟ مجرد سؤال اطرحه لعلمي بأن كبار علماء الإسلام لا يقرون إطلاق المساواة والحرية في التعبير عن كل دين بما فيه التبشير وبناء كنائس او ترميمها حيث حضور مسيحي كثيف.
في الفقرة الثانية من هذا القسم دعوة الى العيش المشترك ومن قواعدها «احترام الآخر والاعتراف به والتعامل معه ثم الحرية في اختيار الناس ما يريدون حتى بالنسبة الى الإيمان والكفر». ولكن هل يحق للمسلم ان يختار غير الاسلام له دينا و«لا ردة في الإسلام»؟ ثم يؤكد النص ضرورة التعاون بين الناس جميعا «لتحقيق المصالح المشتركة».
في الفقرة الثالثة التي عنوانها «قضية تطبيق الشريعة» دعوة «الى تبني احكام الشريعة باعتبار انها جزء من ديننا من جهة، ولاعتقادنا انها تحقق افضل تنظيم للحياة الاجتماعية بين الناس». اجل اكد المجتمعون انهم يسعون الى ذلك بالوسائل السلمية المشروعة التي تحفظ العيش المشترك والسلم الأهلي. هناك من يشك ان الشريعة تحقق افضل تنظيم للحياة الاجتماعية وان كان يسوغ استلهامها في هذا الموضوع او ذاك. هناك من يعتقد ان التشريع المدني الحديث المستند الى تطور الإنسان المعاصر نشأت عنه مجتمعات راقية جدا وليس مرادي ان اقارن بينها وبين المجتمعات الإسلامية. كذلك يدل الواقع على ان امورا كثيرة ظهرت في الاجتماع الحالي ولم تكن عند نزول الشريعة ولا يمكنك ان تمد الشريعة لتعانق الوجود كله. هل يبقى الإصرار على قطع يد السارق اي كل سارق كائنا ما كان دينه؟ هل يجوز القول بالرق وهو من الشريعة او ان الزوج هو الذي عليه وحده ان ينفق على زوجه اذا كان هو بائع خضار وكانت هي عالمة فيزياء نووية؟ اذا كانت المعطيات المجتمعية والاقتصادية متحركة واندثر مجتمع القرن السابع الميلادي كيف تزاوج بين هذه المعطيات والشرع الإلهي؟ مسائل يطرحها العقل الحساس للنمو البشري على إمكان استمرار الشريعة سائسة لإنسان اليوم.
# #
#
في الفقرة الرابعة المتعلقة بالأحوال الشخصية تأكيد على ضرورة المحافظة على الأحوال الشخصية لكل طائفة وهذا ما لم تعترض عليه الا قلة. غير ان البيان يرفض تبني الزواج المدني ويبدو ان المشروع لم يبق واردا. ولكن جميع الذين قاوموه لم يطرحوا على انفسهم هذا السؤال: اذا كان المولود على المسيحية لا يريد البقاء فيها فهل ترضى للكنيسة على إقامة إكليله؟ الجواب الذي أعرفه من اللاهوت انه يمنع الكاهن ان يكلل انسان غير مؤمن. بالموازاة مع ذلك أليس بين مسلمي لبنان واحد يقول دون الجهر بكفره انا اؤثر الا اخضع لأحكام الشريعة؟ انا لا انتقدها ولكني اريد ان أحيد. او ليس هناك مسلمة واحدة احبت فتى مسيحيا وهي تصر على إسلامها ان تقول اني اريد ان اعيش مع هذا الشاب زوجة شرعية؟ هل اذا ذهب مسيحي يعشق فتاة مسلمة وأشهر إسلامه امام المرجع المسؤول (بتوقيعه صيغة معروفة خلال دقيقة واحدة او أقل) يكون أسلم لله وأطاع رسوله وعرف الأركان الخمسة وقرر القيام بها صادقا؟ وهل اذا جاءت مسلمة الى كاهن وجالسها ليلخص لها العقيدة المسيحية بضع ساعات او بضعة ايام تكون قد امتلأت من روح المسيح كما يعرّف عنه المسيحيون؟ انا لا اقدم اي حل. أدعو فقط الى الصدق.
الفقرة الخامسة متعلقة بالإسلام والمرأة، أحسست فيها بضرورة التوسع لجبه المسائل كما هي مطروحة الآن. النص يتحدث عن «اختلاف الوظيفة داخل الأسرة، وداخل المجتمع» دون ان يحدد هذا الاختلاف. ويؤكد ان «رعاية الأسرة هي اولى مهمات المرأة بلا جدال» ولا يبحث في رعاية الرجل للأسرة او مشاركته زوجته في هذه الرعاية ثم يؤكد ان فائض الوقت والجهد حين يوجد فإن المرأة تستخدمه للقيام بسائر واجباتها الاجتماعية. هذا كله يحتاج -ربما في نص آخر- الى زيادة توضيح. فهل يعني هذا انها تقوم بعمل اجتماعي جزئي؟ اما اذا اتخذت العمل بكامل الدوام فكيف ترعى العائلة؟ وفي هذا السياق يأتي النص على ذكر الحجاب وتحريم الخلوة وتحديد شروط الاختلاط. من الاسئلة هو كيف يمكن تطبيق تحريم الخلوة؟ الا يجوز لصاحب عمل ان يختلي بكاتبته؟ هذا هو وضع المكاتب في كل عمل، في كل إدارة حديثة، في الدولة احيانا.
الفقرة السادسة متعلق بالجهاد في سبيل الله. يقول البيان انه ضد اي «عدوان على بلادنا العربية والإسلامية». ولكن من يدعو اليه بعد زوال الخلافة؟ فاذا حل عدوان على بلادنا هذه فإنه يحل على كل ساكنيها. واذ ذاك كل المواطنين يدافعون عن البلد ضد العدو. تكون هذه حرب وطنية مدنية وليست جهادا. لعل اجمل مما في هذا الجزء من الفصل القول عن ان الجهاد «لا يمكن ان يتحول ضد حكوماتنا او شركائنا في الوطن». هذا يبعث طبعا الى الاطمئنان وسند ذلك فكرة الوطن. اجل اذا كان الإسلام في تاريخه عرف اوطانا كثيرة فمن اين أتى المسلمون بفكرة الوطن؟ هذا يبرره القوميون. ولكن على اي اساس شرعي يقول المسلم بالقومية؟
انا لست داعية قوميا ولكن أقول ببساطة ان الوطن عندي أساسه المحبة لمن جاورت وعايشت. اخدم شركائي الذين يعيشون على ارض واحدة ولا اخونهم لمحالفة مسيحي اجنبي او يهودي او بوذي من ارض اخرى.
في الفقرة السابعة لافت قول البيان «النهي عن المنكر واجب شرعي، لكن استعمال القوة فيه غير مشروع». ولكن بعد ان يقول هذا يقول: «الا اذا كان المنكر يدخل تحت ولاية من يريد النهي عنه، لأنه عند ذلك يكون مكلفا بإزالة هذا المنكر وليس مجرد النهي عنه». هل يعني هذا ان الحاكم المسلم له ان ينهي بالقوة عما يعتبره المسلمون منكرا كالخمر؟ هناك ولايات في اميركا ومقاطعات في كندا تنهي عن الخمر في الأماكن العامة وليس عندي في ذلك حرج. ولكنه أفتي في العصر العباسي انه لا يجوز إتلاف الخمر لأنه «طعام النصارى» او اذا أتلف يعوض على صاحبه. مهما يكن من أمر فالخمر جزء اساسي من ديانة المسيحيين في عبادتهم صباح الأحد.
ليس لي ما اعلق عليه في الفقرة الثامنة في موضوع الإرهاب. البيان يؤكد رفضه اياه ويثبت فقط رد العدوان بمثله وبطلب من المسلم ان يبقى متمسكا بأحكام الاسلام اثناء الجهاد. ثم يأتي الحديث عن المقاومة الأمر الذي يجمع عليه اللبنانيون.
القسم الثاني من البيان مخصص للمشاركة الوطنية وفيه تأكيد على ان «لبنان وطننا» ويتضمن الدعوة الى المحافظة على السلم الأهلي وإشاعة اجواء «الحوار والتعاون» ويدعو المسلم على اعتبار خدمة الوطن واجبا شرعيا.
في الفقرة الثانية من هذا القسم تأكيد ان «لا تعارض في الإسلام بين العبادة والسياسة». يمكن تعميم هذا التأكيد اذ لا اعرف ديانة تقول بتعارض مبدئي بينها وبين العمل السياسي. ولكني احتاج الى زيادة ايضاح في قول اهل البيان ان الشريعة الإسلامية وضعت «ضوابط في الميدان السياسي او الاقتصادي او الخدمة الاجتماعية». ضوابط خلقية اجل ولكن هل من ضوابط ممكن استمرارها بعد ان صار العمل الاجتماعي والاقتصادي احترافا؟ ان تكون مساعدا او عاملا اجتماعيا اليوم نتيجة دراسة منهجية في الجامعات ويمكن اسنادها الى اي شاب او شابة اقتبسا هذا العلم.
ثم في النظام السياسي في بلدنا. يقر البيان بالديموقراطية الغربية بعد قوله ان النظام السياسي الاسلامي يختلف عن الديموقراطية ويدعو الى الغاء الطائفية السياسية «والى مشاركة ايجابية في العمل السياسي». ثم يدلي اهل البيان بملاحظات قيمة في الأزمة الاقتصادية هي على لسان كل مواطن.
ويختتم البيان في القسم الثالث المخصص لقضايا السياسة المعاصرة كما يراها ويكلل هذا القسم بالموضوع الفلسطيني الذي هو موضوع حياتنا كلها.
يعد اصحاب البيان بإكماله وبالإتيان بصيغة مناسبة «للعمل الإسلامي في لبنان» وهذا أدنى الى مواجهة الفكر للفكر وتعاوننا جميعا بالعقل والقلب. ويبدو ان التواصل في التطبيق اقرب الينا من التواصل في بعض الرؤى المتصلة بالأسس الدينية. ربما لا نستطيع ان نرى الى الوطن الا على قواعد عملية وان نأخذ الايجابيات الواردة في هذا البيان وبعض إطلالاته. البيان يتسم بالمحافظة الشديدة ومع ذلك يأتي اهله جاهدين الى ما تيسر لهم من رؤية انسانية متحركة في لبنان.
