كتبت هذه السطور قبل ان أشاهد صورة الحشد الكبير في ساحة رياض الصلح وأرجو قبل دفع المقال إلى الجريدة ان نكون جميعًا اقتربنا من سلامة الرؤية وصدق القلب. «الوفاء لسوريا» يتضمن الشكر لها عندما يستقيم استقلال كل بلد وتتوطد عزته بعد ان يكون قد أعز البلد الآخر في الحرية. من ضد الوفاء؟ الاحتلال الأجنبي من معه؟ من نادى بالاحتلال؟ هل يشتهي أحد بعث 17 أيار وقد اسقطه رئيس جمهورية مسيحي ماروني؟ التحقيق في اغتيال الرئيس رفيق الحريري صرخة مستمرة ايضا في ساحة الشهداء وكأن الخطابين على مسافة مئة متر او ما يزيد تجاوبا وكأن الناس مختلفون لا في ما يقولون ولكن في ما لا يقولون. في قراءتهم للآخر وقراءتهم لأنفسهم.

السؤال الملح على كل الناشطين هو ماذا يؤكدون في الحقيقة. الخطاب السائد ولو اختلف النغم وما تساوت الحرارة ان «الحق الحاضر» هو ان يتكل لبنان على جيشه. وليس معنى هذا عند واحد ان البلد يفقد بذا انتماءه العربي. مبادرة كريمة كانت تأكيد الرئيس بشار الاسد ان الجيش السوري ينسحب إلى البقاع تنفيذا لاتفاق الطائف مع احترام القرار 1559. إذا كانت سوريا تحترم فهل نحن لا نحترم؟ كيف يختلف عن سوريا الأوفياء لسوريا؟ كيف يختلفون عن الحكم اللبناني الذي يؤكد – في هذا المجال – ما قالته سوريا؟ وإذا كان الامر كذلك فأين الفرق، حقيقة، بينهم وبين طرح الرئيس السوري. أين المباينة، أين الـ nuance؟ هل هم أكثر اشتدادا من المراجع الرسمية؟

يبقى ان لبعض الحق في التساؤل عن تحرك الجارة «حتى يواري جارتي مأواها». اللافت في هذا ان الانكفاء إلى ما وراء الحدود ستقرر تاريخه لجنة عسكرية مشتركة. أفهم ان الاجهزة الامنية السورية جزء من الجيش السوري وانها في حكم المنطق متوارية. غير اني استغرب ان يبقى الانطواء الكامل معلقا على مجموعة عسكرية لا على السلطة المدنية في البلدين. هذا يذكرني بكلمة لرئيس الوزراء الفرنسي كليمنصو في الحرب العالمية الأولى: «الحرب مسألة جدية إلى حد انها لا تترك للعسكر». الجلاء مسألة جدية جدا حتى لا يتخلى عنها كبار المسؤولين في الدولتين. في هذا القرار ترك لبنان في ضبابية كاملة في حين ان سوريا تعرف دائما أوانها.

كيف يترجم البلدان احترامهما الدولي على الأرض؟ المؤسف ان الطائف لم يتحدث عن مهلة لانحسار الجيش السوري عن البقاع. لقد أكد المسؤولون عندنا ان بقاء هذا الجيش أمر موقت. اليس من ترادف بين الموقت والسريع حتى لا نقع في تحذير القولة الفرنسية الشائعة: «ان الموقت وحده يدوم il n y a que le provisoire qui dure». لقد أكدت سوريا على لسان رئيسها الأسبوع الماضي ما مفاده ان حضورها (السياسي، الاقتصادي، الثقافي كما افهم) قائم عندنا ونحن لا ننكر عليها القراءة التاريخية لدورها.

«الحق الحاضر» كما يقول بطرس الرسول هو اننا، نحن اللبنانيين، مجمعون على خمسة. أولا – ان التوطين غير وارد عند أحد وقد نص الدستور على ذلك. ثانيا – ان أحدا ليس مستعدا لأن ينحر البلد ببعث 17 أيار ومعنى هذا اننا لن نوقع سلاما مع اسرائيل قبل سوريا وهذا من مضامين وحدة المسارين. وفي هذا الخط نفسه لا يستجدي أحد حضور قوة أجنبية عندنا وانا اؤيد الصرخات التي سمعتها الان ضد تدخل الأميركي في شؤوننا. ثالثا – اننا جميعا مع المقاومة وان ليس عندنا اليوم ميليشيا في لبنان. رابعا – ان هذا الحي وذاك من شباننا وكهولنا يلح على سرعة التحقيق في الجريمة التي اودت بحياة الرئيس رفيق الحريري (والاصوات كانت هي اياها هنا وهناك). خامسا – اننا نرجو انتخابات نزيهة عادلة ولا يتهم أحد منا بالخيانة.

في ظل الثقة هل تصر جماعة على انسحاب سوريا «كتابا مؤجلا» (سورة آل عمران الآية 145)؟ هل من غضاضة ان نستعجل بالخير اي ان نسود بيتنا الوطني الواحد بعد صبر طال؟ ان اجلا مسمى كما يقول في سورة العنكبوت أفضل في العقل من اجل غير مسمى. إذا قبلنا للانسحاب النهائي بأجل مسمى تكون المسافة بين الموالاة والمعارضة آخذة بالتضيق. يبقى ان نفهم ما قاله سيادة الرئيس بشار الأسد عن «احترام» القرار 1559. فمنذ صدوره لم تتحفظ عنه سوريا جوهريا. السؤال الحقيقي هو هل تعني كلمة «احترام» شيئا على الأرض؟

اللافت ان سوريا تعاملت مع الطائف كأنه كتب السنة الـ 2005 فوعدت بتطبيق مرحلة اعادة الانتشار حتى البقاع وتركت تاريخ الانسحاب الى الشام دون تحديد وقت وبذا كانت امينة لحرفية الطائف. غير ان للطائف نصا وروحا كما قال دائما نوابنا الذين وافقوا عليه. لا يمكن ان تطبق اتفاق الطائف اليوم كأن 15 سنة مرت عليه لم تكن ذات دينامية تدفع سوريا إلى الانسحاب الفوري. ما هي روح الطائف؟ هي انهاء الحرب بعد ترتيب أمسى دستورا تطمئن اليه القلوب ويكون دور سوريا مساعدتنا على تخطي تداعيات الحرب وبسط السيادة اللبنانية على الارض والسهر على تأليف جيش لبناني متماسك يحمي المؤسسات. ان مرور 15 سنة كانت كافية لتمكين ما أمكن من مؤسسات وصدور قوانين وتقوية جيشنا وتوحيده. ومن المفترض ان هذه الفترة الطويلة قد مكنت السوريين من مساعدتنا على حفظ السلام الأهلي الذي في ظله تنبت دولة متجددة. وحتى لا أظلم الطائف قد اقنع نفسي بأن اهمال الذكر لتاريخ الخروج من وادي البقاع ربما عنى اننا لم نرغب في استباق الامور حتى يبقى المجال مفتوحا لفحص تقدمنا العمراني والمؤسسي. خمسة عشر عاما انقضت لا تفسح في المجال الا القول بأن المهمة العسكرية السورية قد انتهت.

ما هذه العبارة التي يطلع بها بعض اركان المعارضة عن الخروج المشرّف؟ إذا كنا دولتين مستقلتين وشقيقتين في آن فالبقاء مشرف في حينه والخروج مشرف في حينه. هذه عمليات بين اخوة. قلنا قبل اليوم ان لبنان لا يملك وسائل ضغط. هل كان الحاح بعض ضغطا أم تعبيرا عن رجاء وذلك تطبيقًا لنص اشرفت عليه العرب؟

بعد استماعي الى كل الخطباء لا أستطيع ان اتبين اليوم فرقا لسانيا بين الفريقين سوى ان أحدهما ينتظر المشيئة السورية للخروج الكامل والاخر يطلب الخروج الفوري. في العمق الوجداني لست المس عداء للشعب السوري او للحكم السوري. الكلام تناول مدة بقاء العسكر والاجهزة الامنية فلم يكتب سطر واحد ضد سوريا من حيث هي شعب او دولة. لست ارى عنصرية عند أحد ولا ارى تباينا في المودة لسوريا. جهة تغازل كثيرا وجهة أكثر تحفظا في الغزل. إذا كانت سوريا تريد حقا ان تخطب ود اللبنانيين لن يكون عليها ان تكون على مسافة واحدة من الاطراف اللبنانيين. تختار الذين يحبونها حقا وفي هذه المرحلة التاريخية الحرجة تدني نفسها من الصالحين في كل معسكر وتعيش من جديد شهر عسل مع الخيرين من مواطنينا.

غير ان الأخبار أتت بتصريحات ديبلوماسيين سوريين بان الانسحاب الكامل لن يتعدى أيار. وعند ذاك يصير الطائف و1559 سقفا واحدا لهذا الانسحاب ونبقى مختلفين مع 1559 في ما يتعلق بحزب الله. بعدما بينت ما تراءى لي من نقاط التفاهم بين اللبنانيين لم يبق الا نقطة التوضيح لتاريخ الانكفاء الكامل للجيش السوري ما عدا قضايانا الداخلية من تأليف حكومة واجراء انتخابات.

الظروف الموضوعية مؤاتية إلى نوع من المشاركة الفكرية أو السجال الحر في موضوعات شتى هذا إذا تحررنا من الظن في الاخر وادانة نياته. ننطلق من مسلّمة منهجية ان ليس عندنا من ارتهن للخارج ونتكلم على ما يؤتي البلد حرية كاملة خصوصا ان البلد غير منقسم طائفيا. صورة هذا التوحد نرى لها رمزا في ساحة الشهداء اذ تلا المسيحي الصلاة الربانية (أبانا الذي في السموات) ومسح وجهه بيديه كالذي يكون قد تلا الفاتحة. ربما فهم المسيحي بوضوح كامل أو ناقص ان المسلم انما لا يمسح وجهه بكفيه ولكن بالكلمات الالهية التي نزلت عليهما.

متى تتنزل علينا الكلمة الالهية لنصبح شعبا واحدا يسعى إلى صالحه بالحسنات والاخلاص والفهم. كل شيء يدل على اننا تقاربنا ولو اختلفت أماكن الحشود واننا في اشياء كثيرة نقول القول الواحد. أجل السياسة فيها أقوال كثيرة ولكن ما يجعلها فنا إنسانيا انك فيها تحترم الاخر وتصغي اليه فأنت تتكون به ومنه وهو كذلك اذا احببتما الحق.