ما لم تكن من كبار الاثرياء فالعيش في لبنان متعب. ومتعب ايضًا للاغنياء اذا اندس احدهم في مجالسهم ولم يراقبوا لسانهم ولا يستطيع احد منهم ان يبعد عنه خطر الوشاية فقد تحسب انك لا تستحق الموت ولكن الذي يصمم قتلك له حسابات اخرى وقد لا تُغتال لاهميتك اذ المبتغى ان يشل البلد وان نيأس ونرحل. المصيبة مما يحل بنا ان الكثيرين منا يحسون بعبثية هذا النوع من الميتات والتعب الشديد يجعلك لا ترى فداء بل تمسي بلا فهم، يبدو لك عند الرعب ان الحياة على تعسها افضل من الشهادة وابلغ. الشدة الغليظة المكثفة لا تُنشئ صبرًا الا عند الذين تحرروا من وطأة الارض كليًا فلا يتوطنون في مكان والابدية فيهم تأكل زمانهم.
مع ذلك لا بد ان نعيش ولا نشترط على لبنان ان يكون فندقًا بخمس نجوم على قولة غسان تويني. ولكن ان نعيش هو ان نعيش معًا. لقد قلناها مرارًا ان الآخر ضروري لوجودي. ان اقرأ الآخر فيما انا اقرأ نفسي بحيث اقرأ الاثنين في وحدة. الوحدة الوطنية لا ترثها لانها مصنوعة ابدًا بجهودنا بحيث لا اطلب لنفسي شيئًا فأطلب كل شيء للمعية. انا معك وانت معي لا تعني اننا نعيش في اختلاط بحيث ألغي نفسي بالانصهار بك ولكنا نحيا معًا بالحجة والسماحة التي ابدع فيها اخي فيحب ابداعي اياه واحب ان يبدعني بدوره لتوليف مجتمع جديدة ابدًا وحدته ومكوناتها متآنسة لاكتمال صورة البلد المرتجى.
البلد من اصعب الموجودات لانه مركب تريد ان تجعله واحدًا بحيث لا تلغي العناصر التي تركبه اذا فني بعضها ببعض وتتكامل وتسعى الى صورة عن الوحدة قد لا تكون في بلد آخر وتصنع هذه الوحدة من بعد خبرة الواحد للآخر بحيث تشتهي ان يبقى الآخر ولو تعبت من التلاقي بين فترة وفترة. هناك صور للتلاقي تختلف بين بلد وبلد فقد تتعدد اللغات كما في بلجيكا وسويسرا والصين وقد تتعدد الاعراق كما في العراق وتختلف المذاهب كما في لبنان. هناك على رغم التنوّع قرار المعية مهما كلف ذلك من تضحيات.
هذا التوق الى الوحدة والجهاد في سبيلها لسنا نرغب حقًا فيهما كما يبدو لي. وذلك بسبب خوف الماضي او خوف المستقبل واحيانًا هما واحد. وكل هذا يتعلق بالقوة التي انت عليها او بما تحس به من تهديد. كان لك دفء في طائفتك الكبيرة العدد او اطمئنان الى ان طائفتك الصغيرة لا تزلزل احدًا اذ لا تدخل في الموازين. وليس من طائفة قليلة قادرة عندنا على ان تتحالف وقوى خارجية اذ لا تقدر قوة خارجية على ان تمطها او تعطيها حجمًا لا تقدر عليه.
# #
#
تشذ عن هذه القاعدة طائفة الموحدين الدروز التي تعوض قلة عددها بعظمة تاريخها وبارتباطها العضوي بجبل لبنان محور لبنان. هي الطائفة الوحيدة التي لا يلعب العدد فيها دورًا حاسمًا. لا مهرب لك اذا من تعاطيها.
هناك مجموعات قد لا يكون لها فعل تاريخي حاسم يذكر وهي لم تندرج في النظام الطوائفي اندراجًا عندها محبوبًا ولكن لها نكهتها الروحية والثقافية وفعلها التقويمي وانفتاحها على المنطقة وتحسسها المشرقي العربي يجعلها حرة من الخضات نسبيًا ولو تألمت من البلد وفي البلد لكنها تلازمه لاحساسها بأنها ساهمت في انشائه حضاريًا ولو لم تتحمل عبء تمزقاته. ربما صح هذا الوصف على الجماعة الارثوذكسية التي لم تستطع او لم تشأ ان تتخلى عن لا طائفيتها لتساعد على فتح البلد على التاريخ. انا لست وحدي لاقول هذا القول. عثرت على مثله عند ميشال ابو جوده، جهاد الزين وسمير عطالله لما تكلموا على الروم. انهم رأوا ذلك في تتبعهم السياسي قبل ان يقرأوه في حلاوة صداقاتهم.
الطوائف الصغرى من مسلمين ومسيحيين لم تربح شيئًا من وطنيتها على حساب لبنان بل احبته مجانًا رعاها ام لم يرع ولا مهب لها منه ولا تريد مهربًا. يبقى الوزن للموارنة والسنة والشيعة ولكن ليس بالاستقلال عن مؤازرة “الصغار”. وليس لي ان اوصي احدًا بشيء او ان اوحي بحكم مدني كامل لم يظهر بعد. فنحن وراء تذليل الصعاب ولسنا في صدد بناء حقوقي لم تكتمل عناصره. النظري في السياسة لا يسبق الواقعي وقد يتقاطعان. ينبغي ان نبدأ من مسلّمة اساسية وهي ان احدًا منا لا يخفي علاقات مع اسرائيل اذ لا يسعنا ان نعالج اي امر من امورنا ان لم نوقن يقينًا كاملاً ان ليس بيننا عميل للصهاينة.
تاريخ القهر في بلدنا وفي المشرق لا يعذر فريقًا ان يحالف وحده دولة خارج لبنان اذ نكون بهذا جددنا نظام الحمايات الخاصة. انا تساءلت عن امكان حماية للبلد كله تأتينا من حيث نتفق عليها وعلى مصدرها. مصلحة الكل تتعدى مصلحة الجزء، ان أي طائفة لا يجوز ان تبغي سلطانها على البلد ولست اتهم أو أظن السوء. ذلك لانك لا تتحلل من الجزئية الا بالتوحد والتوحد هو في الموقف الذي نتخذه معا وهذا يمكن ان يكون شرعة.
أظن أننا في حاجة الى ما يشبه ميثاق الاستقلال المسنون في الضمائر السنة الـ1943. خلاصته كانت ان نجتمع حول لبنان بحيث نأتي جميعا ومعا منه ولا نأتي من أي بلد آخر لاننا كما أعطينا مجد لبنان معا نؤدي كلنا ومعا خدمة للبنان واحدة.
أقول هذا بعد ان عيّد المسيحيون معا لاصطباغ المسيح في نهر الاردن على يد يوحنا (أو يحيى) وهذا ما تدعوه العامة الغطاس. معنى ذلك ان السيد نزل في مادة الحياة التي هي الماء ليبث الحياة في كل الوجود والحياة هي الحرية والحب وان نتلاقى في الصدق والعدل ودوام العطاء. والمعمودية عندنا صورة مزدوجة للموت والحياة اذ تغرق في الماء ثم تخرج منه. وبهذا المعنى الرمزي اذا سيسناه نعمد لبنان تعميدا كبيرا بحيث نزيل الخطأ الذي يعرقل نموه ونسمو به الى حياة عظيمة تسكبها عليه النعمة وجهد ابنائه معا.
أشياء كثيرة فينا وعندنا ان لم تمت لا تفيد هيكليات للبلد جديدة. الله روح وانت روح اذا تنقيت. هل أريد أن أجعل اللبنانيين أمة الله؟ ان لم يشتهوا ذلك فمن هم عابدون؟ وان لم يعبدوا الاله الحقيقي الذي ينقذ الانسان من الرشوة والدولة من السرقات فماذا تنفعهم معابدهم وعلام يقوم البلد؟
قال الله ليسوع عند صبغة يوحنا اياه: “انت ابني الحبيب”. آخذها الان سياسيا لأقرأ هكذا: كذا يقول الله لأي مسؤول لبناني ان أمات شهواته في الحكم: “أنت ابني الحيبب”. انت الهمك مسعاك الصافي وأعضدك وأحفظك وأعمدك كل يوم بمعنى اني أزيل عنك خطاياك وأرحمك وأجدد رضاي عنك وأجعل من هذا البلد الصغير كبير التطلعات وقادرا على رفع الانسانية كلها بعدما بات لحمة أبنائه بسبب تبتلهم الواحد وتبديد فوارقهم وكشف تجليات فيهم.
انا واثق من ان مشكلتنا الاساسية مشكلة أخلاقنا. نحن لا يعوزنا ذكاء، ولو أعوزنا الجهد أحيانا. ونحن قادرون على ان نعقل أمورنا بفهم واخلاص وان نضيء عقولنا بالايمان ولو كان هذا في حاجة الى تجدد وتعمق. أظن ان الليل يتناهى والنهار يقترب. والاعداء يتربصون بنا حتى نزل ويضمحل البلد. والبلد مسؤولية لا لنفيد منه مآرب في الارض ولكن لنزداد فيه حياة فنحيي الآخرين.
نحتاج الى عقل عظيم وهادىء معا في جوانية القناعات الكبرى من أي تراث جئنا اذ نستطيع ان نتكامل وتشتد سواعدنا متآزرة وقلوبنا متوافقة في صدق لنرقى الى ذرى المجد ونصبح واحدا ما أمكن ذلك البشر ونسير على دروب منتهاها بركات الله علينا وضياؤه.
