ماذا يعني لك ان تعيش في بلد كثير المعطوبيّة؟ في المبدأ انت منه وهو اليك. واذا أردنا بأنك منه وهو اليك ان الجماعات أمست في هذه المحنة أقرب بعضها الى بعض فحقيقة ذلك نسبيّة لأنها ناتجة من حالات طارئة. هي كذلك بسبب الضديّة وما هي كذلك في العمق بسبب من القناعات المؤسسة على شعور وحدة قائمة او وحدة نبنيها. فالجماعات عندنا هي ما يبدو منها فقد قال الخبير الأب لوبره Lebret قديما: «لبنان ليس عالم الكيان، انه عالم الظهور».

                     وهاجس اللبناني غير الاستثنائي ان يبدو امام الآخر. لذلك يصطنع لنفسه الصورة التي يريد الآخر الذي يهمّه ان يراها: مجتمعنا تتشابك فيه الصور، الأقنعة ولا تتلاقى فيه الوجوه اذا اردنا بالوجه صورة النفس.

                     هل التجمّعات اللبنانية تعد نفسها دائما لتخطي ذاتها وتاريخها ومكاسبها وطموحاتها للقاء الجماعات الأخرى التي تقوم بعمليات مماثلة علنا ندرك شيئا من الوحدة بحركة الواحد الى الآخر فتلتقي في وحدة الحركة ان لم ناتقِ على ارض واحدة.

                     وهذا يعني ان كل شريحة دينيّة او سياسيّة راغبة في إعادة النظر في ما مارسته قبل تفحص ذاتها اليوم لتلقي مما تعتبره تراثها ما يجب استبعاده عن رؤيتها لنفسها. هل ترتضي كل شريحة ان الأخرى تسائلها سرا او جهرا اذ يعرف كل فريق منا على وجه الدقة ما يفكّر به الآخر ويعرف آلامه ويجب ان يعرف اذًا ان الآخر مجروح وانه هو قد يكون الجارح ولكنا نختبئ وراء المقولة السطحيّة التي أشيعت منذ القرن التاسع عشر: «الدين لله والوطن للجميع». اعرف ان النيّة عند كاتبها كانت طاهرة ولكن المقولة تتضمّن التباسات كثيرة وقد تعني اللامبالاة بالأديان التي لا يمكن ان ننساها ونعرف انها تترك في النفس صدمات نجهر بها او نسكت عنها ولا نحب ان نذكر ما يصدمنا في الدين الاخر ونشرح الصدمات في حلقات خاصة، الأمر الذي يستدعي، بالضرورة، الحوار ايضًا وايضا والدراسة المعمّقة ونزولا الى أعماق المحبة. هذا من اجل الحق الذي يحررنا وان نحيا في سلام في معيّة صادقة ولا نقع في تلك الدهرية التي تعني إقصاء الايمان عن الفكر والسلوك.

#            #

#

                     ان تجاوز الطائفيّة الى الوطنيّة لا يتمّ على مستوى الدعوات الكلاميّة التي نقرأها في الأدبيات اللبنانيّة منذ ما قبل الحرب العالميّة الاولى ولا نتوجّه الى الأسباب السيكولوجيّة او الايديولوجيّة التي تجعلنا ورثة العتيق العتيق. ليس صحيحا ان اوربا حرة من الطائفيّة الدينيّة ولو تحرّرت من ترجمتها السياسيّة بالعلمانيّة. ففي الحياة الوجدانيّة وحتى تاريخ قريب كان ثمة مجتمع كاثوليكي ومجتمع بروتستنتي وقد كان هذا واضحا في المانيا بعد ان وحّدها بسمارك واشتد هذا في فرنسا مع حركة شارل موراس الشوفينية ومع كل القوميات الملتصقة بمذهب مسيحي في البلقان. ولعلنا لم نكن على هذه الحدة في العلاقات الإسلامية المسيحية.

                     غير اننا نحن اللبنانيين نحب الاختباء ونخشى المصارحة في الحياة اليوميّة، في البيت وفي الاجتماع الوطني وكأن معظم القوم «خشب سندة» اي كأن الحديث لا يصل الناس بعضهم ببعض وكأن الحقيقة في ما لا نصرح ولهذا كثرت عندنا محاكمة النيات. يكون الأمر كذلك عندما يكون المقول هو غير المعني بحيث انك تحتاج الى تحليلات مفذلكة لتصل الى الباطن المكتوم الذي يقيم الآخر علاقته بك، كأنك لا ترى سوى الشجرات الأمامية (اي الحكي) التي تخفي أدغالا مظلمة.

                     لذلك كان العيب المنتشر بصورة مريعة التذاكي الذي هو الالتماع بالكلام بالكلام الذي يصبح، عند ذاك، قناعا.

#             #

#

                     لست أعلم اذا كانت هذه الطبائع التي عليها الكثيرون هي التي تلد اهل السياسة عندنا ام ان ثمّة تفاعلا بيننا وبينهم يذهب على الخطين. لست هنا ارجم أحدا بحجر ولكن لا مفر من السؤال: هل ان الدولة هشّة لأنها صورة شعبنا ام انها هي المثال الذي نحتذي به. ما من شك ان الانسان العادي والخائف بسبب فقره او عدم أمانه ينجذب الى القوي ليقلّده. وما من شك ان الناس على دين ملوكهم ويقولون عند تعبهم اذا كان أمراء السياسة هم هكذا فكيف نكون افضل منهم ولهم في الدنيا متع ونفوذ والبعض عندهم مال ويعطى النواب تعويضات يرثها اولادهم وأراملهم من بعدهم مع ان  الكثير منهم يجني اموالا من مكتبه او المصارف.

                     واذا رأيت العظيم في قومك يهدر ما يهدر حتى استعمل المصطلح الجاري فأنت مغرى بالتشبيه بالعظام، والمعتبرين كذلك. فاذا كان الجالسون على الأرائك لا يحاسَبون فتحاول انت ان تستشفعهم لئلا يحاسبك أحد. في القانون الكنسي الذي يعود الى القرن الرابع عندنا ما مفاده ان الاكليريكي الذي لا يعرف بمخالفته الأسقف يجب ان يكشف خطيئته للأسقف ويطالب محاكمته عنها. بسبب التغاضي الكبير في لبنان عن الارتكابات ينمو عدم التقيد بالقانون او المطالبة بتطبيقه ليأس الناس من المراجع الادارية او القضائيّة ولإيمانهم بأن التعامل  يكون على قاعدة التفريق بين الست والجارية.

                     هناك قناعة بأن اهل الحكم طبقة مميّزة وان الطبقيّة عندنا ليست بين الفقير والغني ولكنها بين الحاكم والمحكوم.

                     على رغم كل ذلك نحن شعب مسكين وفينا طيّبون كثيرون. انا شاهد على فترات زمنيّة تعود الى ما قبل الحرب العالميّة الثانية حيث كنت تجد الكثير من المستقيمين والطاهرين وحيث كنت تستدين مبالغ طائلة بالليرة العثمانية الذهبيّة بلا كتابة سند وكنت ترد الدين. انا شاهدت ذلك في الاوساط التي كنت أعيش فيها وكنت أرى الدقة والاستقامة في العمل الصناعي وقلة الرشوة في الدوائر وقناعة الناس بنزاهة القضاء. واتكلّم هنا ايضا كشاهد ما يعني ان الشعب اللبناني ليس فاسدا في جوهره وان خطايا دخلت اليه ويمكنه التخلّص منها ان ساعده اهل الحكم.

                     طبعا تتطلّب هذه الطهارة اليوم شجاعة كبيرة وتقشفًا كثيرا اذا تألفت حلقات من الطاهرين وضغطوا على الوضع السياسي وحضهم على التقوى العميقة المسؤولون الروحيون في كل الأديان.

                     الحث على نقاوة القلب والعيش امر لا يحتمل ارجاء ان لم نتوقّف حصرا على الأزمة السياسيّة الحالة فينا اليوم. فلكل زمان صعوباته وما يبدو مآزقه. ولكن الانسان ليس أسير المأزق. ماذا ينفع الإنسان لو حللنا كل المشاكل العابرة مهما قست وخسرنا نفسنا. انت تحيا بالله في الضيق والفرج، تحيا مصلوبا او قائما  من بين الأموات. ونرجو الرب ونحن في الجراح ان يرفع عنا النير الذي وضع على اعناقنا ليزداد تعلقنا بالكلام الذي نزل على من اصطفاهم ربهم فكان بهم  الينا وكنا اليه.

                     نحن جميعا ومعا خلاص لبنان اذا اردنا ذلك  فالله يريد ذلك. متى نتعلّم ان الباطل باطل وان الحق حق. مرة قالت لي امرأة عجوز: «ان كان الكذب ينجّي فالصدق ينجّي اكثر وأكثر». هلا سمعنا الى هذه الحكيمة المصطفاة!