لا يسعك ان تعرف اذا كان من ظننته محتضرًا ذاهبًا الى الموت. بالرغم من اقتراب الموت يصوغ اللبنانيون نظريات في بلدهم. لبنان الرسالة، اية رسالة؟ الواقع المرير يذهب بنا الى الخيال وهو مكان التسلي الكبير والانفتاح على المجهول. كفوا عن التساؤل اي لبنان نريد لأنكم مهما أردتم لن يكون لبنان الا بكم، كما انتم على عصبيّاتكم وخذلاتكم امام تحديات التاريخ، لأنكم لا تريدون ان تتلاقوا. كل منكم يريد لبنان على صورة العظمة التي يقرأها في تاريخ طائفته. يأتيك بمعميات عن لقاء المسلمين والمسيحيين ولم أسمع أحدا يقول شيئًا عن عناصر هذا اللقاء او كيفيّة هذا اللقاء. اي لبنان؟ كلّكم يريد لبنان الماضي يأتيه من هذا الجبل او من صحارى العرب، يأتيه من هذا الكتاب المقدس او ذاك ولأنه يؤمن في أعماق نفسه ان الصورة التي يستلهمها من كتابه سيلصقها  على البلد فينشأ البلد. لا أحد يجيء من الكل الا اننا جميعا نتكلّم على الكل. كيف الاقسام بما هي عليه من تراث تصبح كلا؟ على اي اساس تحيا متشاركة. عندما ينص الدستور عن مخالفة العيش المشترك نستشفّ استشفافًا فقط انه يرفض مشروعا تقسيميا او مشروعا يؤدي الى التقسيم ولكنه لا يقول شيئا عن مدلول المشاركة او السبيل اليها. ويسحر اللبناني بالكلام على التعدد ولكنه لا يقول كيف بهذا التعدد يحقق شيئًا من الوحدة ولا يعرف شيئًا عن طبيعة هذه الوحدة او ابعادها او تطلّعاتها. اللبناني معجب بنفسه وبما يتصوّره كيانا له ولا يزال تاليا ابن الفكر السابق للوجود اللبناني. لا يحب الوجود. يحب التأمّل في الوجود ويعطي نفسه شهادة في الفرادة. يظن نفسه عالمًا بالآخر ولكن عنده ان الآخر يتكوّن بمقدار تشبهه به.

          هو مضطر الا يلغي الآخر ولكنه يتمنّى لو كان الآخر مثله لأنه هو النموذج. اللبناني يتلهّف الى الوحدانيّة التي فيها نجيء من قالب واحد ولا يجيء من الوحدة التي بها ننسجم بالآخر ولا نلغيه او عندنا شهوة ان يلغيه القدر بطريقة او بأخرى او ان يفنى تأثيره او يضمحل. اللبناني في اعماق نفسه تقسيمي او انقسامي. اللبناني شاعر بحيث انه كالشاعر يخلق لنفسه عالما خاصا به والشاعر عنده غواية عظيمة وعيشها اسهل من عيشنا في العالم كما هو في كل تمزيقاته وصدماته لأن هذا العالم في جراحه يتطلّب منك مواجهة وكل مواجهة تعرّضك الى الخطر او الى الصدق والى ان تكون واقفًا في الوجود.

#            #

#

          هذا الخلل الوجودي، الكياني في شعبنا يقتضي اولا الا نعتبر أنفسنا شيئًا كبيرا. لا بد ان نؤمن اننا نجيء من لبنان كائنة ما كانت ينابيع الفكر والإحساس التي يستقي منها هذا الفريق او ذاك واننا لسنا مرتهنين لهذه الينابيع ولا مرتهنين لما هو خارج الحدود. انا هنا لا أشير الى اية شريحة ولا اتهم اية شريحة. ولكني اقول إنه ينبغي ان نعيش في الحق الحاضر. لا أكسر القلوب. والخيّرون منا يجيئون من ينابيع كثيرة ومختلفة وقد تكون في كل نفس ميول متناقضة او متضادة. ولكن لنا ان نناقش كل فرد وكل جماعة في ما تدعيه ميزة لها فكل شريحة تحت التشريح ولها وجهها المجتمعي ولكن ليس من جماعة مقدّسة. ولكن اذا لم نطرح جدلية الوحدة والتنوّع نكون أسرى هذا او تلك ولا نؤلّف أمة في مسيرة التكون وغير هذا تراكم جماعات ليست في حالة التلاقي. وحالة كهذه تعني ان ما سماه الدستور عيشًا مشتركًا انما هو امنية وليس مسيرة.

          وفي هذه المسيرة نحن – حسب الدستور الأول- أمة لبنانية – أمة لبنانية ليست جزءًا من أمّة أخرى وهنا لست أشك في انتمائنا الى العالم العربي وقد تكرّس ذلك في الدستور الحالي. ولا مانع من ان نعطي معنى مزدوجًا لكلمة امة. غير ان علماء السياسة اصطلحوا على عبارة دولة -امة Etat- nation. ولكن ما هو اهم من مفهوم الامة مفهوم الوطن اي الارض ذات الحدود الدولية ووحدتنا في هذا الوطن وبهذا الوطن ومن أعمالنا فيه ان ننشئ  دولة واحدة ذات سلطان على كل التجمّعات الدينية على مستوى هذه الدنيا. اما ان نقول ان لبنان فوق طوائفه فيجب ان نعني ان مصلحته فوق المصالح الطائفيّة المنفردة ولا تعني روحيا انه اهم من كل طائفة لها علاقتها بالله، بهذا الإله الذي فوق الأوطان.

          هذا كله ليس فقط سياسة. هذا فلسفة وجود او اذا شئتم هذا تحول روحي وبتعبير اوسط هذا توبة وعندنا تعني اولا رجوعا الى الصدق الكامل ومحبة لكل الذين نعايشهم وذلك احتراما كاملا لما هم عليه من عقائد ورجاء لقاء انساني حر وتفاعل يومي لا يخفي خوفنا وذلك بسبب رجائنا ان الخير والبر قائمان في كل مجموعة وان كل مجموعة تستحق الحياة الكريمة وهذا ما يشكل وطنا اي ارضا وناسها فلا يحجب احدٌ أحدًا ولا يكم فاه ويبقي مجالا لمواجهات سلامية وشرعية في ديمقراطية ما ينبغي ان نبحث عن صورتها في معطيات البلد ليس وفق تراثاته المختلفة وحسب ولكن وفق تطلّعات واحدة لمنفعة كل المناطق في عدل كامل فيعتاد بعضنا بعضا ونذوق بعضنا بعضا ولا نتراص عدديا فقط ولكن نتداخل روحيا وعقليا وفي مجالات العمل وهذا ليس فقط سياسة ولكنه بنيان حضاري لا يقوم فقط على ذاكرات جماعية ولكن على تطلّعات الأزمنة الآتية بما هو توفيق الرقي العلمي والرقي الروحي معا.

#           #

#

          هذا يعني طغيان السياسة على حياة الوطن وان كان كل شيء يتصل بالسياسة بطريقة او بأخرى. في بلدنا السياسة ان تتدبّر شؤون كل شعبنا مجتمعا وان يتدبّر هذا الأمر الناس جميعا متمثّلين بمن يحسون انهم يمثلونهم مجتمعين. هي اذا تتنافى وسيادة اية طائفة كائنا ما كان عددها لأنها عند ذاك تحس بأنها هي الأفضل. والتواضع يمنعها عن ذلك ولو كان لها ميزات كثيرة تؤتاها من تراثها او خبرتها او نضالها. نحن في وطن نعطي بعضنا بعضا ما نتميّز به ولو كان هناك ما لا يُعطى بسبب من عقيدة او تاريخ. والوطن لا يعني ان نزيل عن كل شريحة لونها ولكن ان نقتبس منها ما يروقها اذ ليس من طائفة لا كبر فيها ولا بهاء. ولكنا نحن بما نعطي. وان لم نعطِ يعني اننا نخاف ومن استغنى بثروة روحية له يبددها لكي يدخل الكل باب العظمة الحق.

          وهذا يعني ان السياسة هي قبل كل شيء تربية نربي بها بعضنا بعضا فننتظر نمو الآخر ونسر لنموه اذ يمدنا هذا بشعور الاتكاء عليه. اما اذا كان بيننا التفاوت الثقافي عظيما فهو خطر على الوحدة لأنه يتضمّن شعور التمرّد على الوطن مجتمعًا.

          ولو كانت السياسة في كل شيء الا ان من اهم غايتها ان تسوس الاقتصاد اي عيش الناس بكرامة لأن نمو الانسان ليس بما يقوله في ادارة الشأن الوطن ولكن بما يعمل. ففي الانتاج الفكري او المادي بعد الرقي الروحي يحقق الانسان ذاته ويحب الارض التي فيها يعترف بقيمته اية كانت مهنته وايا كان مستواه العقلي. والسياسة العظيمة هي الاعتراف بأن هذا الوطن فيه طاقات طبيعية كبيرة وانه يجب تفعيلها الى الحد الأقصى لنعيش معا بعدالة وبأعظم ما يمكن تحقيقه من كفاءات. وهذا ما لم يدركه القيمون على البلد بصورة مرضية منذ الاستقلال اي ان البلدلم يكن مسوسا وفق المعايير المتعارف عليها في البلدان الراقية.

          وشعبنا اليوم فقير لا نزاع في ذلك اي انه غير حاصل على التقدير الذي يستحقه ولا على المحبة التي يحيا بها كرامته. انا اعرف اولادا لا يستطيعون ان يتعشوا واعرف اولادا سقطوا في ملعب مدارسهم لأنهم حرموا العشاء والفطور معا. وهذا لا يرصفنا مع البلدان الراقية. هناك حد ادنى من العيش هو حق لكل المواطنين. واذا ما ركزنا جهودنا على هذا العيش البسيط لكل من اللبنانيين تأخذ السياسة وجها آخر وتفقد الكثير من ثرثرتها. فلتكن مواجهاتها السياسية باغية الطعام والدواء وتدريس اطفالنا بما يجعلنا غير مهددين بالجوع لنستطيع ان نفكر ونقلع عن الهجرة ويكون حبنا للوطن مرتكزا لا على مدح الشعراء له ولكن على اعتراف الوطن بنا بشرا خلقوا على صورة الله ومؤهلين لأمور عظيمة.

          أفهم ان يكون الإنسان محتاجًا “والمحتاجون عندكم في كل حين” على قول يسوع الناصري ولكني لا أفهم في وطن يدّعي الفرادة والحرية ان يعج بالبؤساء. هؤلاء اخوتنا ولهم مثلنا جميعا الحق في حياة طيبة وعيشة عائلية هنيئة. هذا هو الخطر الحقيقي علينا واذا واجهناه بجدية نكتسب بحرية الحق وبركات السماء.