عندما يحلّ هذا الأحد نحسّ أننا نقترب من الصيام. فهذا اليوم يدشّن موسم التريودي الذي هو كتاب يحتوي على نصوص الأناجيل التي تسبق الصيام حتى ينتهي الكتاب هذا بما يُدخلنا الى الفصح.
المشهد أن إنسانَين صعدا الى هيكل أورشليم ليصلّيا، أحدهما فرّيسيّ والآخر عشّار. ذكرنا هنا كثيرا الفرّيسيين الذين هم حزب دينيّ متشدد في الحفاظ على الشريعة وأضاف عليها أحكامًا لم تردْ في الشريعة. واصطدم مع هذا الحزب الرب يسوع مرات عديدة لكونهم مرائين. لم يكن المخلّص ضد مواقفهم اللاهوتية ولا سيما أنهم يُجارون المسيح لأنه هو وهم يعلمون القيامة، وغيرهم من اليهود لا يؤمنون بالقيامة. كان المعلّم ضد سلوكهم وكبريائهم.
الشخص الآخر كان عشّارا أي جابي ضرائب للرومان، والعشّارون كانوا معروفين سلوكيا أنهم يسرقون منها ولا يدفعون الأموال كلها للسلطات.
الفرّيسي يتكبّر على العشّار ويتّهمه بالفسق والظلم، ويفتخر بأنه يصوم مرتين في الأسبوع مع ان ناموس موسى لم يكن يتطلّب هذا، ويفتخر بأنه يُعشّر كل ما هو له مع أن المواد البسيطة كالخضار والفاكهة لم يكن مطلوبا تعشيرها.
إزاء هذا، يقف العشّار الخاطئ وعيناه الى الأرض، ويبستغفر إذ يقول: «أللهمّ ارحمني انا الخاطئ».
هذا مَثَل إنجيليّ أي إنه حكاية حكاها يسوع ليعطي اليهود درسا فيقول ان العشّار ترك الهيكل مبرّرا أمام الله وذاك لم يكن، حتى يصل الى القول: «من رفع نفسه اتّضع ومن وضع نفسه ارتفع».
نبدأ اذًا في هذا الأحد الممهّد للصيام بدرس في التواضع. ليس للصيام من قيمة بلا تواضع. لا يفتخر أحد بصيامه. يفتخر بالرحمة التي تنزل عليه من الله وتغفر له خطاياه. فلا يفتخرنّ أحد بأي عمل من أعماله لأننا كما يقول باسيليوس الكبير في قدّاسه «لم نصنع شيئا صالحا أمام الله».
لقد قال بولس الرسول: «من اعتبر نفسه شيئا فهو لا شيء». الله وحده يرفعنا ونحن على مستوى الأرض. يرفعنا بمحبته وغفرانه. من حسب نفسه كلا شيء يجعله ربه شيئا. وقد علّمنا المخلّص هذا بإصرار لمّا قال: «تعلّموا مني اني وديع ومتواضع القلب». المطلوب سلاسة العلاقات مع الناس، لطف التعامل بحيث لا نجرح أحدًا ولا نُحزن أحدًا وبالمحبة نُفرح الآخرين وذلك في كل حين.
فلنتّخذ الصيام المقبل موسم رجوع الى الله، رجوع عميق من كل جوارح قلوبنا حتى لا يسكن هذا القلب إلا الآب والابن والروح القدس، فنشاهد الثالثوث ساكنا في قلوبنا في الأسبوع العظيم والفصح.
