ولدٌ فيه روح أبكم، أي روح يجعله أخرس، طلب والده من يسوع شفاءه. العوارض التي كان الفتى مصابا بها عوارض داء الصرع (épilepsie). ولما جيء به الى يسوع، ظهرت هذه العوارض عليه. أبوه أكّد أن هذه العوارض كانت تُلازمه، وسأل يسوع اذا كان يستطيع أن يقوم بشيء من اجل هذا الغلام وقال له: «تحنّنْ علينا». عند ذاك قال له الرب: «إن استطعتَ أن تؤمن فكلّ شيء مستطاع للمؤمن». كثيرًا ما كان السيد يفتّش عن الإيمان عند الذين يرافقون مريضًا. ولكن لم تكن هذه قاعدة عامة.
جواب الوالد ليسوع كان: «إني أؤمن يا سيد. فأَغِثْ عدمَ إيماني». ربما كان المعنى الذي قصده أَعنّي في ضعف إيماني. قد لا يعرف الإنسان أيّ مقدار عنده من الإيمان فيتضع ويقول إني لستُ قويا في الإيمان ويسأل ربه أن يزيده إيمانا.
عند تصريح الأب بإيمانه، أخـرج يسوع الـروح النجس بأمـر منـه، فصار الولـد كالميـت «حتى قال كثيرون إنه قد مات. فأخذ يسوع بيده وأنهضه فقام». بهذه الكلمات لمرقس الإنجيليّ نتجاوز الحادثة الى وضعنا الروحي، فإذا كان أحدنا خاطئا، غميق الخطيئة يكون كالميت او هو ميت روحيا.
بعد الحادثة دخل يسوع بيتًا لا بد أنه كان لأحد الأصدقاء، فسأله تلاميذُه: «لماذا لم نستطع نحن أن نخرجه». كان هذا الفتى قد قُدِّم لهم ولم ينفعوه بشيء. عند ذاك قال لهم السيّد: «إن هذا الجنس لا يخرج الا بالصلاة والصوم».
ما معنى اذًا كلام السيّد؟ يبدو لي أن المعنى أن صلاتهم لم تكن عميقة ولا حارّة، أي ان محبتهم لله كانت ضعيفة وما كان لهم سلطان على روح الشر الذي كان في بعض المرضى. كان السيد يريد أن الصلاة قادرة على كل شيء وحتى على طرد الشياطين فلا يبقى عند المصلّي أثر للشر. عندئذ يصبح مقتدرًا على كل شيء. ويكون هكذا في حالة الصوم أي ضابطًا نفسه، متّكلا فقط على الطعام الروحيّ الذي يعطيه إياه الرب بديلا عن الطعام الجسديّ. ولهذا نقرن في كنيستنا دائما الصوم بالصلاة لئلا يكون مجرّد نظام حمية. المؤمنون عندنا يُحسّون أن صلوات الصوم الفصحيّ هي التي تقوّيهم على تحمّل الإمساك فيهون بالواقع ولا ينزعجون منه لأنهم يتقوّون بالخِدَم الإلهية (صلاة النوم الكبرى عند كل الأتقياء، القداس السابق تقديسه، المدائح وغير ذلك عند القادرين).
بعد هذا تنبأ يسوع عن موته وقيامته. هذه الآية الأخيرة من هذه القراءة تُدنينا من العيد، والصوم كله مشوار الى الفصح.
ولا نقوم نحن بالصيام الا استعدادًا منه ليوم القيامة الذي هو «عيد الأعياد وموسم المواسم». هو وعدٌ بقيامتنا نحن في اليوم الأخير بعد أن كانت لنا قيامة أُولى بالمعمودية وقيامة دائما في التوبة.
وبعد أن سجدنا للصليب المقدّس الأحد الماضي، وجّهنا انتباهنا أكثر فأكثر الى القيامة التي هي حياتنا.
