لاحظ بولس الرسول ان كنيسة كورنثوس في اليونان التي كان قد أسسها في رحلته التبشيريّة الثانية، لاحظ ان هذه الكنيسة فيها انشقاقات. كانت مؤلّفة من بعض اليهود، ولكن أكثريّتها كانت من الوثنيين. بعد رحيله عنها برزت فيها مشاكل.
وَضَع هذه الرسالة خلال سنوات خدمته في أفسس (تركيا الحالية) في رحلته التبشيرية الثالثة، وبلغه آنذاك خبر الانقسامات الداخليّة بواسطة خدام امرأة مسيحيّة تدعى خلُوي. ناشد الرسول المؤمنين ان يقولوا قولا واحدا. كانوا قد أخذوا يتحزّبون، فقالت فئة “انا لبولس” المؤسس، وقالت أخرى “أنا لأبُلّوس”. كان هذا يهوديا من اهل الاسكندرية، فصيح اللسان، قديرا في شرح الكتب المقدسة. هذا أرسله الإخوة من أفسس الى كورنثوس وتعلّق به ناس لفصاحته. ومنهم من قال انه “للمسيح”.
امام هذه الخصومات انتفض بولس لتعلّق النـاس بـه او بـأبلّوس. المهم هـو المسيـح الذي لا يـتـجزأ والذي بـه نعتمـد. هنـا شـرح الرسـول انه لم يُعمّـد احدًا الا “اهل بيت استفاناس”. ولا مبرر في كل حال ان يتمسّك مؤمن بمن عمّده او قدّم له أية خدمة كنسية اذ المراد بالخدمة ان نأتي بالناس الى المسيح.
تحصل في الكنيسة احيانا تحزّبات شخصيّة وتفاضُل بين هذا وذاك من القادة. الكاهن او الأسقف مجرّد جسر بينك وبين السيّد.
الى هذا شدّد بـولس انـه لا يـبشّر “بـحكمة كلام”، وقد كرّر فكره هذا في الإصحاح الثاني من الرسالة: “ما جـئتُ بـبليغ الكـلام او الحكمة”. يـوحي بأنه في تواصله مع المؤمنين لا يـستعمل البلاغة “لئـلا يـبطل صليـب المسيح”. هو كان يسعى ان يقتنعوا بفداء المسيح لهم، بـكشف سر الله. في مقطع يـلي يـؤكد ايضًا: “وكـان كـلامي وتـبشيـري لا يعتمدان على أساليب الحكمة البـشريـّة في الإقـناع، بـل على ما يُـظهـره روح الله وقوّته، حتى يـستـند إيـمانـكم الى قـدرة الـله، لا الى حكمة البشر”.
يبدو هنا فكر الرسول ان روح الله في المبشّر تنتقل الى السامعين بأسلوب بسيط، بكلام يحمل قوة الروح القدس. هذا لا يعني ان من كان بليغا في ما اكتسبه من آداب علماء اللغة وكان مبنيّا على فطرة الفصاحة يجب ان يُطفئ هذه الموهبة الطبيعيّة. ولكن عليه ان يفهم اولاً ان قدوته هي أفضل وسيلة تبليغ، وان كلمات الخطابة تأتي سندا لتقوى المبشّر، والكلمات الرنّانة بحد نفسها لا تعمل شيئا إن لم تعبُر بالكلمات محبة المبشّر لصليب المسيح وقيامته.
على فكرة الصليب يجب أن تركّز سعيك الى نقل الايمان. المهم ان تعرف ماذا تبلّغ، والحماسة ليسوع بحد نفسها وبكلام قليل تبلّغ الرسالة اي تضمّ السامع الى المخلّص.
