الرسالة والإنجيل كلاهما عن الصليب. بولس يقول لأهل غلاطية الذين كان بينهم متهوّدون انهم يريدون فرض الختان على كل من أراد ان يعتنق المسيحيّة. ويقول انّ هؤلاء يفتخرون بختان الوثنيين اي ان يحافظوا على ناموس موسى، وكان مجمع الرسل في اورشليم حرّر الوثنيين المنضمّين الى يسوع من الخضوع لشريعة موسى، ويجابههم بقوله: «حاشى لي أن أفتخر الا بصليب ربّنا يسوع المسيح الذي به صُلب العالم لي (أي مات هذا العالم بالنسبة لي) وانا صُلبت للعالم». والمعنى ان هذا العالم اذا اعتبر نفسه شيئا فأنا ميت بالنسبة اليه.

ثم يوضح ان الختان ليس بشيء ولا القلف (اي عدم الختان) شيء بل الخليقة الجديدة التي تكوّنت بالإيمان والمعمودية. ثم يبيّن ان السلام والرحمة هما على «اسرائيلِ اللهِ» اي اسرائيل الجديد الذي هو الكنيسة.

ويلفت اهل غلاطية انه حامل في جسده سمات الرب يسوع اي الآلام التي تحمّلها من أجله، ويعدّدها في الرسالة الثانية الى اهل كورنثوس، ويختم الرسالة بقوله: «نعمة ربّنا يسوع المسيح مع روحكم».

ثم يجيء مقطع من إنجيل يوحنّا حيث يقطع ان احدا لم يصعد الى السماء الا الذي نزل من السماء اي هو، ومع نزوله الى الأرض بقي في السماء مع الآب والروح. ويتنبأ عن موته بقوله: «ينبغي أن يُرفع ابن البشر» أي أن يصعد إلى السماء بعد قيامته، ويختم بقوله: «هكذا أحبّ الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد»، ويوحي بأن «كل من يؤمن به وبفاعلية صليبه له الحياة الأبدية» التي بدأت في الثالوث ولا تنتهي، وهكذا ينقل المؤمن بالصليب الى حياة الأزل التي كانت في الله والى حياة الأبدية التي لا تنتهي ويؤكد ان «الله لم يرسل ابنه الوحيد الى العالم ليدين العالم بل ليخلّص به العالم».

فالمؤمن ليس عليه دينونة لأنه وريث الخلاص اذا بقي على الإيمان بالصليب وعاش في التوبة. فالخلاص نرثه الآن بإيماننا بالمصلوب الذي غلب الموت في كل إنسان وجعله قائمًا من موت الخطيئة منذ الآن.

هكذا يتبيّن من القراءتين اللتين تهيئاننا لعيد ارتفاع الصليب، ان الصليب مركز حياتنا وكل ديانتنا. وكل ما نقوله في الكنيسة ونعمله انّما ينطلق من صلب السيّد وقيامته.

كل عباداتنا تقودنا الى الصليب الذي هو كل حياتنا على الأرض لأنه عطاء الله ذاته لنا. ونعلّقه عند انتهاء المعمودية في عنقنا لنذكر اننا مصلوبون مع المسيح وشركاؤه في قيامته وهو مبدد كل أحزاننا وآلامنا وزارع فينا الفرح الآن وغدا والى دهر الداهرين.

وقد استشهد الشهداء لأنهم آمنوا بأنّهم ينالون الحياة بدمائهم المختلطة بدم المخلّص.