عيد البشارة هو عيد التجسّد الإلهي وأُركّز فيه تأمّلي على رسالة اليوم يفتتحها كاتبها بقوله: «ان المقدِّس (اي المسيح) والمقدَّسين كلهم من واحد (اي من الآب)»، المسيح بالولادة الأزلية، ونحن جَعلَنا اللهُ ابناء بواسطة الابن اي بالمعمودية ومسحة الروح القدس (بالميرون).
لذلك سمانا بولس إخوة ليسوع بسبب هذا التبنّي. ودعم الرسول قوله بكلمة من المزامير: «ها أنذا والاولاد الذين أعطانيهم الله»، ثم صعد الى التأمّل بعمليّة الخلاص البادئة بسر التجسّد من والدة الإله بقوله: «اذ قد اشترك الاولاد باللحم والدم اشترك هو كذلك فيهما»، وكأنه أراد ان من مقتضيات الأخوّة بينه وبيننا ان يصبح مثلنا ذا جسد ليكلّمنا الله بابنه على الأرض وتكون غاية التجسد ان يموت، فيوضح بولس ان غاية مشاركة المسيح طبيعتنا هي هذه: «لكي يبطل بموته مَن كان له سلطان الموت اي إبليس»، اي كان لا بد للابن ان يدخل مملكة الموت ليزيله. فقد زال الموت لما دخل المسيح اليه بالحياة الإلهية التي كانت فيه.
ثم يكمل فكره، موضحًا الغاية من موته بأكثر وضوح، فيقول «ويعتق كل الذين كانوا مدة حياتهم كلها خاضعين للعبودية مخافة من الموت».
معنى القول ان كل من ارتكب الخطيئة هو عبد للخطيئة حسبما ورد في انجيل يوحنا. الامثال هنا كثيرة، فمن كذبَ مثلا خائف من العقاب اي انه عبد. ومَن سرقَ خائف من الفقر. هو اذًا عبد للفقر. والخوف الأقصى هو الخوف من الموت. فهذا يلغينا من الوجود المحسوس الذي نحن متعلّقون به. ولكن الموت لا يزول من نفسه ولكن من قدرة المسيح. واذا قمنا منه بالتوبة ثم في القيامة الأخيرة، عند ذاك نصير متحررين من الموت نهائيا وقائمين مع المسيح وجالسين معه في السموات. موت المخلّص كان من اجل إنقاذنا من الخطيئة اولا، وتاليا من الموت الذي الخطيئة سببه.
بعد هذا يقول كاتب الرسالة «ان المسيح بموته صار رئيس كهنة قرّب نفسه على مذبح الصليب للآب وبدا انه رحيم وأمين فيما لله»، حتى يختتم هذا الفصل من الرسالة الى العبرانيين بهذا: «لأنه إن كان قد تألّم مجرَبا (اي بالآلام) فهو قادر ان يغيث المُصابين بالتجارب».
كل إنسان تصلبه خطيئته، ولكن اذا آمن يعرف انها هي التي صَلبت السيد الذي عَبَر كل اوجاع الإنسان، وهذا معنى قوله «تألم مجرَبا». ثمرة حبه لك على الصليب جعلك تشعر انه معك لأنه ذاق كل التجارب التي تذوقها أنت ما خلا الخطيئة، تجربة اوجاع جسدك واوجاع نفسك في الأحزان، وقد عرف يسوع الحزن في الجسمانية لمّا واجه كأس الموت. فاذا ذقت اي ألم من آلام الجسد والنفس، اعلم انك لا تتألم وحدك وان الرب يسوع شريكك على سرير المرض وشريكك في احتضارك وانه قادر ان ينزع منك خوف الموت لتكون في العمق حيا امام كل بلية وغير مكسور امامها، فإنه كما نهض من بين الأموات تنهض ايضًا انت منه اذا قدرت ان تحب يسوع حبا كبيرا.
