استعدادًا لعيد رفع الصليب تركّزت الرسالة والإنجيل حول الحدث. في القراءة الإنجيليّة ينكشف حبّ الله للبشر على صليب المخلّص اذ يقول: “هكذا أحبّ الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد”. هذا كلام مركزي على الخلاص. أما في الرسالة وهي إلى أهل غلاطية فبعد قوله إن الختان (أي النظام اليهودي) باطل، يصل إلى القول: “حاشى لي أن أفتخر إلا بصليب ربنا يسوع المسيح الذي به صُلب العالم لي وأنا صُلبت للعالم”. والمعنى أنّي لكوني ثمرة الصلب أو نتيجة الصلب فقد صُلب العالم لي أي مات عالم الشرّ أمام عيني وأمسى لا شيء. هذه صورة. وأما إذا أنا صُلبت (معنويا بإماتة الخطيئة) فالعالم الشرير لا يعتبرني شيئا. اي ليس من شركة ممكنة بين النور والظلمة.
واذا كان الصليب صار كل شيء بسبب سر المحبة، فلا الختان (اليهود) بشيء ولا القلف (الوثنيّون) بل الخليقة الجديدة اي المسيحي بتجاوزه التضاد القائم بين اليهودية والمسيحيّة. فقد دخلنا العالم الجديد الذي هو المسيح ولا نجيء من ناموس موسى ولا من الفلسفة الكامنة عبادة الأصنام بل نجيء من الله الحي وإنجيله شريعتنا وفكرنا.
هذا هو قانون الحياة الجديد، والذين يتبعونه “عليهم سلام ورحمة وعلى اسرائيلِ اللهِ” ويعني بذلك اسرائيل الجديد، شعب الله الجديد اي الكنيسة.
ثم يكمل بولس كلامه بقوله: “اني حامل في جسدي سمات الرب يسوع” التي يمكن فهمها على انها الآلام الجسديّة التي تحمّلها من أجل السيّد المبارك او التعذيبات التي كان يقاسيها لمّا كتب الرسالة الى أهل غلاطية اذ كتبها في السجن في رومية.
في كل هذه الكتابة البولسيّة نفحة فرح: “بالصليب قد أتى الفرح في كل العالم” كما نتلو توا بعد قراءة انجيل السَحَر في الآحاد. مرة قال لي عالم من غير ديانتنا على سبيل الانتقاد: “المسيحيّة ديانة مأساة”. قلت له: “اذا اردت بها الكلمة اليونانيّة تراجيديا (اي حالة المأزق الذي لا خروج منه فهذا غير صحيح لأننا نحن نخرج من الألم بالقيامة. وبهذا يقول الرسول الإلهي بولس: “فإن كلمة الصليب عند الهالكين جهالة، واما عندنا نحن المخَلّصين فهي قوّة الله” (1كورنثوس 23:1)”.
مرة، من سنوات طويلة، التقيت فريقا من شهود يهوه قالوا لي: إذا كنتم تكرّمون الصليب فتشبهون أُمًا تُكرم حبل المشنقة الذي شُنق به ابنها. قلت لهم: هذا يصح لو كان ابنها مجرما. اما اذا كان شهيدا للوطن وقتلته دولة معادية للوطن، فالمشنقة هذه تصبح أداة مكرّمة.
إن الصليب الذي كان يُعلّق عليه المجرمون وكان أداة ذلّ أصبح بالمسيح مكانًا للخلاص اي مكان الحريّة.
لذلك نكثر من الأفكار المتعلّقة بالصليب: رفع الصليب، ذكره يومي الأربعاء والجمعة كل أسبوع، الأحد الثالث من الصوم، الأسبوع العظيم المقدّس. ثم نحمل الصليب في أعناقنا، ويجب ألا نضيّع التقليد القديم حيث يعلّق دائما في عنق الولد المعمّد.
وما هو دائم الاستعمال إشارة الصليب حيث يبارك الكاهن الشعب بها في القداس الإلهي او تلك التي نرسمها نحن على وجوهنا عند ورود عبارات في صلاة الجماعة فيها ذكر للثالوث المقدس او عبارات التمجيد لله او السجود له. الأرثوذكسيون يكثرون من استعمال هذه الإشارة التي بها يعانقون صليب المخلص. بهذه الإشارة نبيّن إخلاصنا ليسوع ولأبيه وروحه، ونبارك ماء المعمودية والزيت وموادًا أخرى في المواسم. الصليب هو قلب حياتنا ومعناها، وإذا رُسم عليه المصلوب (وهذا شرط عندنا) يكون الأيقونة المثلى.
طبعا نحن لا نفرق بين الصليب والمصلوب. نكرّم الأول بسبب الذي مات عليه وتغلّب وهو عليه على الخطيئة وأعطانا به فرصة لنغلب الخطيئة والموت.
