اذا كانت المحبة تجعلنا في حزن بسبب الذين سقطوا في الحرب، ومعزين للعائلات التي نعرفها، فإنما يدفعنا إيماننا الى التوبة وهذه هي وظيفة كل محنة في حياة الذين استبقاهم ربهم على الأرض. هذا وقت رجوع اليه حتى لا ننام نومة الموت كما يقول النبي المرنّم.
الى هذا قد نختلف في التحليل السياسي وانا لست هنا لأملي عليكم موقفًا سياسيًا. في الكنيسة كلكم أحرار. ولكن الموقف الذي سوف نتقيّد به بعد الحرب هو العمل على إعادة إعمار لبنان والحفاظ على وحدة بنيه الذين سيختلفون في الآراء السياسية وهذا يجب ان ننتظره في مجتمع حر. ما قد نختلف عليه الآن هو معرفتنا لأسباب الحرب. انا كمواطن بينكم لا يقنعني ان خطف جنديين إسرائليين يدفع دولتهما ان تشن علينا حربا بهذا الحجم وهذه الشراسة. هي أولا دولة خاطفة منذ تأسيسها وساجنة الآن لمئات من المناضلين العرب. وهذا أمر له تسوية معقولة. واذا كان الخطف مسؤولة عنه فئة حزبية في لبنان فأنت لا تعاقب كل لبنان بالموت والحريق والدمار وقطع كل اوصاله لجعله بلدا ضعيفا في المنطقة يحتاج الى عدة سنوات للنهوض. ان حملة ضخمة كهذه التي شُنّت علينا إنّما تحتاج الى أشهر من الاستعداد سبقت خطف الجنديين. هناك اذًا خطة لتدمير لبنان مرتبة دوليا وكُلّفت اسرائيل تنفيذها اعتقادًا من الدول ان الحرب قد تُنهي حزب الله. الحوادث الأخيرة دلّت ان هذه المنظّمة لا تنتهي بسهولة ولن يُقتل اعضاؤها واحدًا واحدًا ولن تضعف الى حد انها ستسلّم سلاحها طوعًا او كرهًا. موضوع سلاح حزب الله يُعالَج لبنانيًا او لا يُعالَج. لا لشيء، كلّفتنا الموآمرة الرهيبة هذه، دمار لبنان.
أنا لا ادخل الآن في مناقشة شرعية المقاومة في ظل وجود الدولة. فاذا اعتبرنا وجودها غير شرعي لا يبرر دولة اسرائيل في مشروعها القضاء على لبنان. وعند رجوع السلم سنناقش موضوع المقاومة والتسلّح خارج الجيش. نحن الارثوذكسيين لن نسهم في نقاش الا على اساس وطني اي على اساس يحفظ وحدتنا ولا يجعلنا قبائل متناحرة حتى التقاتل اذ لن يبقى، عند ذاك، منّا شيء.
هذا الوطن متّحد يجتمع فيه المسيحيون والمسلمون على السواء ولا ينبغي ان يميز فيه فئة على فئة. هذا سيكون بلد الكفاءة والعدالة والتكافل الاجتماعي والعلم والرقي ولا يحتمل خصومات حادة ذات طابع طائفي. ما دمرنا في الحرب الأهلية اذا تكرر سيدمّرنا بعد الحرب.
الآن نضمد الجراح. لذلك دخلتْ هذه الأبرشية في العمل مع النازحين في عدة أماكن. قد تكون إمكاناتنا ضعيفة، ولكن شعور الإخوّة والترحاب بهم شيء يطلبه الله الينا.
كفانا الرب شر القتال وأعاد إلينا سلامًا حقيقيًا في الواقع الوطني وفي القلوب وألهم أعداءنا أن ينكفئوا عنا ويهتموا بشؤونهم.
إن كنيستنا واسعة الصدر وتستوعب جميع المواطنين بمحبة واحدة ولا تنجرّ وراء الانفعالات الهـوجـاء وتسهم فـي إعادة تعمير الـبـلـد مـاديًا ومـعـنـويًا لنقوى على ضعفاتنا وتقوم عندنا دولة قوية مستقيمة ترى نفسها في خدمة الناس جميعا لنحيا بسلام.
