كتب بولس رسالتين الى أهل كورنثوس نحن مع الأولى اليوم. وكورنثوس مرفأ في اليونان على قنال. وكان الرسول قد بشرّها بعد ان أخفق في أثينا (أعمال 18). ظل بولس على علاقة مع هذه الجماعة. في هذه الأثناء استقبلت الكنيسة مبشرًا مسيحيًا قادرًا يدعى أبلوس كان فصيحًا متبحرًا في كتب العهد القديم فساعد أهل كورنثوس على مجادلة اليهود وكان يفوق بولس فصاحة فتحزّب له قوم. ولا يعني هذا أنه كان يشجع المحازبين.
كذلك تحمّس بعض لبولس وتشيّعوا له. كذلك تحزب بعض لصفا، وهو بطرس، ولعل بطرس مر بالمدينة في طريقه الى رومية. هل كانت تكمن نزعات لاهوتية في هذا التحزب؟ لا شيء يدل اولا على ان بطرس ترك أثرًا لاهوتيًا خاصًا ولا أبلوس. نزعات عاطفية سادت.
لا نعرف بالضبط معنى الذين قالوا إنهم للمسيح. هل المعنى أنهم تجاوزوا الخلافات، وتاليا جعلوا أنفسهم ازاء الآخرين، وبهذا المعنى كانوا حزبًا؟
ما أزعج بولس الانقسامات سواء أكانت نزعات لاهوتية تغذّيها ام كانت تعبّر عن تفضيل شخصي لهذا او ذاك من المسؤولين. هذه لم تكن انشقاقات بسبب اختلاف حول العقيدة.
في الواقع الأنطاكي لا نشهد انقسامًا بين المؤمنين ظاهرًا على مستوى العقيدة، ولئن وجدتَ هذا او ذاك يشك بمعتقدات اساسية اقتبسها من كنائس اخرى او اديان اخرى. انا سمعت كثيرا من يشك بقيامة الأموات او من كان غير مقتنع بالصيام.
غير أنك تجد في بعض الأوساط المتقدمة في المعرفة تباينات تصل احيانا ببعضهم الى رفض الآخرين او الى التشدد وربما الى التكفير. ونحن نعلم ان السلطة الروحية وحدها تستطيع ان تحكم على الناس بالهرطقة وانك، فردًا متعلمًا ، يمكنك ان تبيّن خطأ ولا تكفّر صاحبه.
عندنا في الكنيسة مساحة من حرية الاختلاف لا تمس جوهر العقيدة. والكنيسة لم تجزم في كل شيء.
ليس صحيحًا مثلاً أن عندنا اعتقادًا واضحًا بما يحصل للنفس بعد الموت. هل هناك مراحل لارتقائها ام ليس من مراحل؟ هناك من يميل الى المعلمين الذين يحوّلون آراءهم عقائد ثابتة ويجزمون بقوة ان هذا الرأي أرثوذكسي وذاك غير أرثوذكسي.
من هنا ينشأ أننا نتّبع هذا المعلم دون سواه فتتألف كتل متصادمة سرًا او علنًا. مرة سألت لاهوتيًا عظيمًا في كنيستنا هو الارشمندريت ليف جيلله: “ما هو إيمانك؟”. اجابني انا اؤمن بما يؤمن به مطراني. هذه هي القاعدة وان كانت لا تنفي إمكان النقاش.
لك أنت أن تستحلي فكر فلان وأن تحب شخصه لأنه يقوّيك بالمسيح. ولا مانع أن تفاضل بينه وبين سواه. ففي سماء الكنيسة نجوم يختلف ضياؤها. ولكن عليك أن تُقبل الى الجميع بمحبة لا أن تصنّف الناس، ولا يحق لك أن تبعد عن قلبك فلانًا وفلانًا لمجرد انضمامه الى جمعية او حركة روحية لمجرد أنك قررت بعصبية وبلا امتحان أن هذه الجمعية أو الحركة موصومة بالفئوية.
انه من روح الانقسام ان تستبعد عنك ناسًا لمجرد انهم يحبون فلانًا ويتأثرون بروحه اذ تخسر احيانًا وجوهًا مشرقة قررتَ الا ترى إشراقها فيبطل تعاون في الكنيسة خصب لمجرد حقد في نفسك. غير ان الله انقذ هذه الأبرشية من الأحقاد الاكليريكية على ما ارى فلا نشهد بين كهنتنا اثرًا للتباعد العاطفي. ورجائي ان يحب الكاهن كل ابناء رعيته وان يعاملهم معاملة واحدة. ورجائي ايضا ان تحب الرعية راعيها فلا تستسلم الى انتقاد مرّ والى استعراض عيوبه وان تحبه اكثر فأكثر لأنها كلما ازدادت حبًا له يتحسن هو ويصبح اكثر رقةً واكثر اندفاعًا واعظم إخلاصًا لها.
الويل للذين يزرعون الشقاق لأنهم بهذا يمزقون ثوب المسيح غير المخيط وهو القائل: “كونوا واحدا كما انا والآب واحد”.
