عندنا في سَحرية الآحاد احد عشر مقطعا في الأناجيل الأربعة تتكلم عن قيامة الرب. هل تراءى المخلص احدى عشرة مرة لتلاميذه؟ لسنا نعرف بدقة الجواب عن هذا السؤال. ولكن نستطيع القول ان الإنجيل الاول المقتبس من متى وفيه إطلاق السيد تلاميذه الى العالم ليعمّدوا لا يوازيه مقطع آخر. في الإنجيل الثالث (لصلاة السَحر) رأيناه يظهر لمريم المجدلية ونراه في يوحنا يظهر للمجدلية نفسها ويدور بينهما حديث. ضمن هذا الإنجيل الثالث نقرأ انه تراءى للاحد عشر وهم متكئون. هل هذا هو نفسه الظهور الذي تم في علية صهيون في الأحد الاول الذي يذكره يوحنا؟
الظهور لتلميذي عمواس يتفرد به لوقا. ثلاث مرات يظهر حسب رواية يوحنا، ظهورات ربما تقاطعت واختلفت الروايات. ليس هذا هو الأمر المهم. المهم ان الأناجيل الأربعة متوافقة على ان الرب لم يبق في القبر. هذا هو الأمر اليقين. كذلك بولس يتكلم على ظهورات. هذا هو إيمان الكنيسة الاولى.
الإنجيل تكلم عن دفن بعد موت. ولكنه لم يقل ان جسد المعلم انتعش في القبر واخترق الجدار او خرج من باب القبر بعد ان تدحرج الحجر. لم يهتم للكيف. رآه التلاميذ قد مات وعرفوا ان يوسف الرامي قد دفنه وذاع الخبر في اوساط الرسل وعند حاملات الطيب انه مدفون وذهبت النسوة لتطييب جسده. وبعد هذا نراه يتراءى ويأكل ويشرب مع التلاميذ. وشهد هؤلاء انهم رأوه عدة مرات. كذلك رأوه جميعهم انه اختفى عنهم بصعوده الى السماء. عندنا للحادث اذًا شهود كثيرون.
و “اراهم يديه وجنبه” حسب رواية يوحنا. لم يكونوا اذًا امام شبح اذ تأكدوا بعلامة المسامير والجنب المطعون ان هذا هو الذي عُلّق على خشبة. ماذا اعطتهم القيامة؟ اعطتهم اليقين ان الذي شكّوا فيه لما هربوا هو حي وانه غلب الموت. وتوطد ايمانهم به لما حل الروح القدس عليهم. القيامة اذًا حدث حقيقي شهدوا هم له فانطلقوا بقوة عجيبة يعظون اليهود انه مات ثم قام. هذا اذًا هو الرب الذي لا يعتريه فساد. وتذكروا، اذ ذاك، قول المزامير: “لا تَدَعْ قدوسَكَ يرى فسادا”.
ثم اعطتهم القيامة ان كل ما قال عن نفسه وعن كونه ابن الله كان حقيقيا. ولا ريب انهم عندما رأوه قد مات شكّوا بأمره وبأمر تعليمه. لم يبق الآن مجال للشك. ان هذا الذي لم ينتن جسده ما كان كبقية الناس ولا سيما ان الانسانية لم تعرف رجلا قام هكذا بقوة نفسه. له اذًا في نفسه سلطان على الموت. اليعازر ما قام بقوة نفسه ولكنه أقيم بنداء المسيح له: “يا لعازر هلم خارجا”. من هو هذا اذًا الذي حافظ على علامات موته في جسده؟ هنا فكروا انه يختلف جذريا عن بقية الناس. انبعاثه يؤكد اذًا صحة تعليمه وصحة عجائبه. فصاروا يستقرئون بقوة قيامته ان ما قاله عن علاقته بالآب كان قولا صحيحا.
الأجيال اللاحقة التي تألمت واستشهدت فشهدت صارت قادرة ان تقبل الموت بشجاعة. وكانت تُقبل الى الموت بلا خوف فقط بتصديقها القيامة. والشهادة اديناها جيلا بعد جيل في العالم كله. وسيرة الشهداء حافلة بالقدرة العظيمة عند الشهداء لا تعادلها قدرة لأحد. العذابات موصوفة في كتبنا ودُوّنت ولم تر الانسانية قدرة مثل هذه. الاستشهاد الخارق في بطولاتها دل على ان الذين ماتوا حبا بيسوع استمدوا قوتهم من قدرته هو على غلبة الموت.
والقداس الإلهي لا يقوينا الا لأنه ينقل الينا القوة التي كانت في قيامة المخلّص. ولذلك نصير بالقرابين التي نتناول ناسا قياميين وفق ما قاله السيد لمرتا اخت لعازر: “انا القيامة والحياة”. اي ان المسيحيين يذوقون منذ الآن بطهارة قلوبهم بداية القيامة العامة.
فالفصح الذي هو ذكرى قيامة المخلّص هو ايضا وعد بأننا نحن نخلص بها من خطايانا. فالقيامة بدأت به واستمرت بقداستنا ولذلك صار الفصح فينا فصحا مقيما الى ان نرث الفصح الأخير في الملكوت. ويكون عندئذ الكون كله قد تجلى وصار كونا من نور.
