حادثة حلول الروح القدس على التلاميذ رواه سفر الأعمال، ومنه أُخذت رسالة اليوم. تجلى حلول الروح بصوت من السماء “كصوت ريح شديدة تعصف” وألسنة نارية استقرت على كل منهم “فامتلاوا كلهم من الروح القدس واخذوا يتكلمون بلغات اخرى”.

          اما الفصل الإنجيلي فيؤتينا خطابا من السيد قاله سابقا “في اليوم الأخير العظيم من العيد” وهو المدعو عيد المظال الذي يقع بين ايلول وتشرين الاول ويدوم ثمانية ايام. في اليوم الأخير منه قال السيد: “إنْ عطش احد فليأت اليّ ويشرب… ومن آمن بي ستجرى من جوفه انهار ماء حي”. هذا هو تقريبا الكلام الذي قاله السيد للمرأة السامرية دالاً على الروح المزمع ان يقبله التلاميذ (في يوم العنصرة)، ثم يفسر ان الروح لم يكن قد أعطي بعد “لأن يسوع لم يكن بعد قد مُجد” (تمجيد يسوع هو بموته). الروح اذًا سينزل بعد القيامة.

          بعد هذا اي في خطبة الوداع (الإنجيل الاول من اناجيل الآلام) سوف يتكلم الرب عليه بأكثر وضوح اذ يقول: “انا اطلب من الآب فيعطيكم معزيًا آخر… ليمكث معكم الى الأبد”، ثم يشرح ان الروح القدس هذا “سيرسله الآب ويعلمكم كل شيء”. ثم يؤكد ان هذا الروح ينبثق من الآب ويشهد للابن.

          نستنتج من هذا ان الروح الإلهي يرافق المؤمنين الى نهاية الدهور وينقل المسيح الى قلوبهم. لن يأتي بمضمون تعليمي جديد لأن التعليم قد انتهى بموت السيد ولن يزيد عليه احد شيئا ولن يكون كتاب آخر. واما ما كتبه الآباء القديسون وما قالته المجامع المقدسة وما يكتبه المفكرون الطاهرون في الكنيسة فهو فكر المسيح الذي يلهمهم اياه الروح القدس.

          والروح كان الى جانب الذين وضعوا لنا العبادات. كانوا يأخذون اقلامهم وينفخ فيهم الروح نفحاته وتتملئ صلواتنا من هذه النفحات. واذا قيل شيء خطأ فالروح القدس ينقحه بواسطة الممتلئين منه. قد يظهر الاعوجاج بهذا التصرف او ذاك من مسؤول كبير او صغير، ولكن يبعث الله بمن يتصدى له فيتقوم الاعوجاج حتى لا تتلوث الكنيسة.

          من اجل ذلك نقول في صلاة سَحَر العيد: “ان الروح القدس نور وحياة وينبوع، حي، عقلي، روح حكمة، روح فهم، صالح، مستقيم، عقلي (اي يهبنا ما في عقل الله)، رئاسي (لأن الإلهام هو الذي يرئس الكنيسة)، مطهر للهفوات، إله ومؤلِّه (اي يجعلنا في قلب الله بالقداسة)…”.

          لذلك نستهل كل خدمة إلهية في كنيستنا باستدعاء الروح القدس: “ايها الملك، السماوي، المعزي…” حتى تنزل النعمة الى قلوبنا، حتى اذا طهرت نتمكن من الصلاة فيرفعنا الروح الى الآب والابن.

          الروح ليس فقط مع كل فرد مؤمن. انه مع الكنيسة جمعاء. وهو يُتمّ فيها الأسرار كلها. به تحصل المعمودية ومناولة الجسد والدم (“أَرسِلْ روحك القدوس علينا… واصنَعْ اما هذا الخبز فجسد مسيحك…”). والزواج في الكنيسة يحصل بالروح القدس، وكذا بقية الخِدَم الإلهية. فاذا أتمها الروح يتصور المسيح فينا.

          ان الله كشف كل ما عنده لنا بالمسيح   وإنجيله. ولكن هذا الكشف لا تستطيع ان تفهمه وتتبناه الا بالروح. وظيفة الروح ان يُدخل اليك شخصيا المعاني التي انسكبت كلمات، وهذه الكلمات يجب ان تتحول اليك وتمضغها وتغذيك، فاذا أوتيت الروح القدس وسكن فيك حقا تطرد الخطيئة التي تحول بينك وبين الفهم او تحول بينك وبين العمل الصالح. كل تأثيرات الروح القدس عليك هي لك عنصرة دائمة.