والد مفجوع يدنو من يسوع متلهفا. ابنه عنده عدة عوارض تجعلنا نقول انه مصاب بداء الصرع épilepsie الموصوف بنوبات تشنجية مرتبطة بإثارة خلايا دماغية، ويقع المريض على الأرض ويفقد الوعي. السبب قد يكون جرحا في الدماغ او خللاً في النظام العصبي او يكون السبب غير معروف. وكان الأقدمون يعتقدون ان هذا النوع من المرض مرتبط بالأرواح.
لم يستطع التلاميذ شفاء هذا الشاب فغضب يسوع عليهم وعمم توبيخه: ايها الجيل غير المؤمن. كاد ينفذ صبر المعلم من تلاميذه. اما هو فشفى الغلام فورا. ولما سأله تلاميذه لماذا لم نستطع نحن ان نشفي هذا الشاب، قال لعدم إيمانكم. هكذا بكل صراحة، بلا مواربة وبصورة قطعية. غير اننا نعلم من اعمال الرسل ان التلاميذ صنعوا العجائب. لقد استمدوا ايمانهم من القيامة.
اذ ذاك قال هذه القولة الشهيرة: “لو كان لكم ايمان مثل حبة الخردل (وهي صغيرة جدا) لكنتم تقولون لهذا الجبل انتقل من هنا الى هناك فينتقل”. هذه صورة تعني ان العقبات مهما عظمت تسقط امام المؤمن وان كل أثر للشرير يخرج منه ومن الذين يمدهم بإيمانه.
ماذا يعني الإيمان بالله وبمسيحه؟ يتضمن فكرة التصديق بكل ما قاله الله عن نفسه وعن اعماله وبكل ما كشفه لنا بالإنجيل (موته وقيامته). ورأس كل هذه الأمور يعني الحياة الأبدية اي معرفته هو ومعرفة قوة المسيح للشفاء والغفران.
سألني مؤخرا احد الأصدقاء: ما دليلك على صحة هذا الأمر الذي تؤكد انه من الإيمان. قلت له لا دليل عندي الا ان الكنيسة تعلمه وانه مكتوب في الإنجيل. اشخاص عديدون يذهبون الى الكنيسة منذ عشرات من السنين يسألون عن الحياة الأبدية وقالوا: “مين راح واجا يخبرنا”. كنت اجيب واحد راح الى الموت وعاد منه وأخبرنا وهو يسوع المسيح وشهادته كافية لأنه هو الحق. واذا آمنتَ به تصدق كل ما قال.
نحن نعرف ان المؤمن الحقيقي يذوق المسيح ويمتلئ به ويعرف ان المسيح أنقذه من خطايا كثيرة، وربما عرف انه انقذه من مرض او من موت. هو يعرف بالقلب، والقلب يستنير بالإنجيل والعبادات والمحبة المتدفقة من الأتقياء علينا. العقل المجرد يعرف اشياء العلم، ولكن الإحساس هو الذي يعرف الفن وصاحبه يلتقط بشعوره انه محبوب وانه انتقل من حال سقوط الى حال نهضة. المؤمن يرى من داخل كيانه، وهذا ليس اقل قوة من الذي يدرك فقط بعقله الخاضع ايضا الى الخطأ. نحن ليس ضد المعقول نتكلم، ولكنا نتكلم مما لا يحصره العقل.
غير ان الحقائق الإيمانية ليست كل الإيمان. الإيمان اساسا الثقة بالله. وفي اللغة العربية الإيمان ان تعرف ان الله مأمنك اي انه لا يصيبك شر حقيقي، نهائي ان كنت مع الله. وكما يهدأ المصاب بداء الصرع من بعد تشنج بالدواء، انت، ان كنت مع الرب، انسان يعيش في سلام ويعيش بهذه القوة الداخلية والاطمئنان اللذين لا يعرفهما الجاحد. انت بالإيمان تخلص من القلق الشديد او القلق الدائم لعلمك انك مبني على الصخر وتحس بهذه المتانة. الثقة بالله هي ان ترمي نفسك عليه، ان تجعل نفسك في حضنه فتعرف انك محفوظ. واذا ألمت بك خسارة صحة او مال، تبقى متيقنا ان “كل الأشياء تعمل معا خيرا للذين يحبون الله”.
يكون في هذه الحالة لك عناية من عند الله بطريقة اخرى. يمنّ عليك بالرجاء والاتكال عليه فيُنزل عليك رضاه وبركات وهداية هي اعظم بكثير من كل الذي خسرته في دنياك. ثم يقويك اخوتك المؤمنون وتؤلفون معا كنيسة المسيح. ويعطيك ايمانك حنانا عجيبا ولطفا كبيرا، وكلما قوي فيك تتزين بفضائل ما كنت تحلم بها.
غير ان الرب يطلب منك ان تحفظ الإيمان بالصلاة التي تجعل الله حاضرا في قلبك ويقوى ايمانك بإنجيل يعزيك ويكشف لك غناه كلما قرأته، فلا تبقى مصروعا تهزك كل ريح، وتتكئ على صدر يسوع فتحيا بنبضات قلبه الى ان تلقاه متجليا في الملكوت.
