في طقوسنا الكنسية رأس السنة هو في أول أيلول. أما أول كانون الثاني فهو بدء السنة المدنية التي تعود إلى الإمبراطور الروماني يوليوس قيصر. وليس عندنا في هذا اليوم عيد اسمه رأس السنة. ولكن عندنا عيد ختانة الرب يسوع وعيد القديس باسيليوس الكبير. غير أن هذا اليوم يعتبره الناس مفْصلا ويطلق الناس الرصاص عند منتصف الليل ابتهاجا بالجديد الذي يأملونه. ولكن ما الجديد؟ اثنا عشر شهرا غالبا ما ستكون مثل السنوات السابقة فيها فقر شديد وعنف كبير وليس في الحياة السياسية الدولية أو المحلية ما يبشر بالخير. مع ذلك نريد أن نعتقد أنها فسحة أمل لأن الإنسان في ضيقه يرجو الخيرات. وعندنا نحن المؤمنين أن البركات تأتي من الله الذي يخترق الزمان وله القدرة أن يُنزل عليه نعمته. يمكن أن تحدث أعجوبة وان تتغير الأوضاع السياسية والاقتصادية بحيث يقلّ الفقر ويعمّ السلام العالم. ورجاؤنا ما قالته الملائكة: «المجد لله في العلى وعلى الأرض السلام في أناسِ المسرةِ» أي الذين سُرَّ الله بهم لأنهم صالحون.
وكأن أنشودة الملائكة ليست تمني سلام لكل البشرية ولكن فقط لأولئك الذين أحبهم ربهم وأحبوه. فالملائكة تكلموا إذًا على سلام القلوب بالنقاوة وما تكلموا على سلام في دنيا السياسة. هذا ليس عنه وعد. السنة إذًا تجعلها أنت جديدة في نفسك إذا جددت نفسك بالنعمة. وهذا السلام الداخلي تعيشه أنت ولو معذبا ولو استمرت الحرب في العراق وفلسطين مثلا وأثر هذا على لبنان. أنت لا ترجو سنة جديدة ولكن تجديد ذاتك وتنقيتها تتجدد بها قلوب كثيرة.
قد تنتهي الحروب بقرار ويرتفـع مستوى العيش بمـجمـوعـة قـرارات متخـذة في البلـد وخـارج البلـد ويبقى نـاس أشرار يصنعون حروبـا بلا سلاح. وقد يـكون جرح القلوب أعمق من تلك التي تأتي بها الحروب.
فكّر منذ الآن كيف تتوب وكيف تتكتل مع التائبين لتكونوا ذلك القطيع الصغير المؤمن الذي لا يخاف لأنه أُعطي الملكوت. و«الملكوت في داخلكم» على ما قال السيد. ولكن إذا بقينا على صعيد الحياة المجتمعية، لك ان تعمل مع الآخرين لتحسين الوضع بكل الوسائل السياسية المشروعة أقله في بلدك الصغير لترى ان أشياء كثيرة تجددت لتتعزى بها ولا تظل تحت ضغط اليأس والحزن.
هناك إذًا جهدان مترافقان: جهد روحي كبير، عميق وجدّي، وجهد في المجتمع المدني عن طريق النضال الوطني الذي يطلبه الله منك ليحيا الناس بشيء من اليسر والراحة ويسعوا إلى سعادة عائلاتهم والوطن الذي يحتضنها. والتوبة التي تكون قد نزلت عليك تجعلك مواطنا صالحا ومقداما لأن السيئين لا يستطيعون ان ينشئوا بلدا سويا أو دولة هي في خدمة مواطنيها. فإذا كثر الإثم وفترت المحبة فلا جديد في الأمة وليس من دولة راقية.
لا شيء جديدا خارجا عنك وليس في المجتمع جديد إذا كانت القلوب ساقطة وليس فيها حرارة ولا كان في الأقوال دسم.
يمكن ان تتصور تصافي القلوب والفرح بالسلام ورُقيًّا حضاريا كبيرا تصل فيها دول متجاورة إلى التراص فيما بينها حتى تصبح مصرّة على عدم الحرب وعلى النمو الاقتصادي المشترك وهذا ما حصل في أوربا الغربية بين ألمانيا وفرنسا اللتين خاضتا ثلاث حروب بينهما حتى فهمتا ان السلام نافع لهما. وربما تم ذلك يوما في المجموعة الأوربية الكبيرة. لماذا لا يستطيع العرب أن يفعلوا ذلك؟
ينبغي ان تفهم الدول الغنية ان من مصلحتها ان تدعم الشعوب الضعيفة التي يقودها القمع الذي تعانيه إلى مظاهر العنف وما قد يسمى إرهابا. ينبغي ان تفهم الدول الغنية ان مصلحتها في رقي الأمم جميعا. ليس عند الله شيء ضد ان يرتب العالم شؤونه بإدراكه أن حاجة الجميع هي إلى المشاركة في الخيرات والمشاركة في الإنتاج الفكري والفني. هذا يعني إيمانا من القيمين على الشعوب ان التنافس في الحسنى يأتي في صالح الجميع. علينا ان نرجو يوما لا يحتاج فيه الإنسان إلى تأكيد نفسه بالسلاح بل إلى تأكيد نفسه وسواه بالحب.
عند ذاك كل سنة جديدة تصير أعظم جدة من التي سبقتها. أما مساهمتنا نحن المؤمنين فأن نهيئ بالتقوى العقول إلى هذه القناعة. فإذا أحسست بأهمية الله عندك تشتهيه للآخرين.
