المسيحية ليست مجرد كتاب. فقد عاش المسيحيون الأوائل ما لا يقل عن أربعين سنة قبل تدوين أول إنجيل، وعاشوا ستين سنة قبل ظهور إنجيل يوحنا. ما من شك ان الرسل حفظوا كثيرا من أقوال يسوع يتلونها شفهيا على المؤمنين. ولكنهم قرأوا رسائل بولس الذي استُشهد حول السنة الـ 65. اخذوا روح يسوع عن بولس وجوهر تعليمه. شخص يسوع الحي، القائم من بين الأموات هو ما تعلَّقوا به. فإيماننا نحن ركزه الرسل على محبتنا ليسوع. لذلك قال بولس في رسالة اليوم: «مع المسيح صُلبتُ فأَحيا، لا أنا، بل المسيح يحيا فيّ» (غلاطية 2: 19).
المسيحية قائمة على هذه الخاصة ان حياة يسوع القائم من بين الأموات تنسكب على أتباعه إذا هم اعتمدوا وآمنوا به. فكما صُلِب هو وأمات الخطيئة وأباد الموت، أَنقطع أنا عن الخطيئة. وهذا هو صليبي. لست أنا أُبيد الخطيئة. انه هو الذي يبيدها فيّ. «حاشا لي ان افتخر الا بصليب ربنا يسوع المسيح» وأنا كنت في أعماقه لما صُلب. لذلك أنا مصلوب.
بعد هذا يقول: «ما لي من الحياة في الجسد أنا أحياه في إيمانِ ابنِ الله الذي أحبّني وبذل نفسه عني». بذل نفسه عني أخذها بولس من إنجيل يوحنا قبل تدوينه أي أخذها بالتواتر. فقد قال يوحنا: «ما من حب أعظم من هذا أن يبذل الإنسان نفسه عن أحبائه». هنا يؤكد كاتب الرسالة إلى غلاطية التي نحن في صددها ان الناموس الموسوي لا يعطي الحياة. هو أحكام لا تستطيع أنت تنفيذها، ومخالفتك اياها فضحتْ شقاءك. توا، وبلا تبرير الناموس لك، يبررك المسيح، وإذا بررك فهو يمجدك. لذلك يجمع بولس كل هذه المعاني فيقول: «ما لي من الحياة (أي الحياة بالروح القدس) في الجسد (أي في كياني كله)»، هذا أتاني من الله وأنا أحياه. كيف أحياه؟ إذا آمنت بابن الله («أنت المسيح ابن الله الحي» كما اعترف بذلك بطرس).
ابن الله هذا أحبني، وما قال أحبنا بصورة الجمع. كل واحد منا عليه ان يؤمن بأنه بات حبيب الله في المسيح يسوع. فكما كان المسيح حبيب الله في الجوهر والأزلية، أنا أصبح حبيب الله بالنعمة التي كشفها لي يسوع بموته وقيامته.
ما هو التعامل بيني وبين ابن الله؟ هو أحبني ويحب ان اعرف هذا. إيماني به هو إيماني بمحبته لي التي أبرزها أو جسّدها بالموت.
ما الذي يجمعنا نحن المسيحيين؟ هو إيماننا بيسوع. ما يعني هذا الإيمان؟ هو يعني أني أومن بأنه مات من أجلي ثم قام. المسيحية هي التعلق بشخص المسيح باعتباره المخلّص. أجل هو مخلص العالم. ولكنه مخلصي أنا أيضا شخصيًا. أنا أنضم إليه بالمعمودية فأموت فيها معه وأحيا معه وأكون قائما من الموت الروحي منذ الآن ومن الموت الجسدي عند القيامة. غير ان السيد يريد منك ان تفعّل معموديتك فتبقى على الدوام مميتا الخطيئة فيك، وعندما تتحرر منها تعرف وتحس انك قائم معه، حي ومنتصر معه.
ولكن هذه القيامة الدائمة تتطلب منك، إلى جانب الإيمان، جهدا موصولا فتهرب من الخطيئة أولا ثم تحيا بالبر، بالكلمة، بالصلاة الدائمة، وذلك في بيتك وفي الطريق وفي الخدمة الإلهية. فأنت لا تسير فقط إلى المسيح بهذه، ولكنك تسير في المسيح وكأنه بحر تسبح به. هذا هو الإيمان الحي الذي من أجله مات الشهداء. هذا هو الإيمان الذي يجعلك ناقلا إياه للآخرين بتبليغهم الكلمة والعمل الصالح.
