الصوم ان تتخصص لإخراج كل الشياطين المعششة في قلبك وقد حالفتها بطريقة او اخرى. ليس الشيطان ذلك الكائن خارجا عن نفسك. انه الساكن فيك بوسوسات مخيفة، تحركك في النهار وفي الليل. وما كانت الحِمية المرتبة في هذه الكنيسة او تلك الا لتدفعك الى التأهب والحذر من ان يعود اليك هذا الروح الشرير الذي طردته يوما او ساعة او لحظة فاستعدت براءة الطفولة والكيان الأصيل.
يعجبني ان تأتي الكنيسة المارونية بمؤمنيها وتمسح جبين كل منهم في اول يوم من الصيام بالرماد قائلة: “اذكر يا انسان انك تراب والى التراب تعود”. تقول لك ذلك جهرا لتفهم انك لا شيء وانك مدعو الى إحلال يسوع في نفسك ليصبح اياك او تصبح انت اياه. ويعجبني عشية الصيام في الكنيسة الارثوذكسية وهو المدعو احد الغفران ان تأتي بمؤمنيها ليركع كل واحد امام الآخر حتى قدميه ليعني انه عند قدميه ويقول له: “اغفر لي يا اخي انا الخاطئ”، ثم ينتصب ويقبّل احدهما الآخر كأنهما دخلا القيامة منذ الآن. ان أصوم عن اللحم رمز تذكري اني اصوم عن كل معصية باتت فيّ متأصلة.فإذا تبت اقتلع ما كان متأصلا ليبقى فيّ المسيح اصلا.
الصيام وجود مع المسيح، في الفرح. ولذلك نكثر فيه من الترتيل “الليلويا” اي هللوا لله. ولستَ جائعا جسديا الا لكونك جائعا الى الطعام الإلهي، الى الخبز النازل من السماء. لذلك تتناول في ترتيب خاص جسد الرب ودمه في يومي الأربعاء والجمعة ما خلا الآحاد. وفي صبيحة الأحد تتجدد فيك قيامة المخلص. ولئلا تحسب انك وصلت، تكثر من صلوات التوبة وتسمى الخطايا التي تريد التحرر منها: “روح البطالة والفضول (اي طلب الأشياء الدنيوية) وحب الرئاسة والكلام البطال”. ثم تقابلها بالفضائل وهي: “روح العفة واتضاع الفكر والصبر والمحبة”. والذروة: “هب لي ان اعرف ذنوبي وعيوبي وألا ادين إخوتي”.
وأقف عند اتضاع الفكر واليه نفتقر كثيرا. لأن الانسان يتذاكى ويستعلي بذكائه اذ يظن ان الآخرين دونه فطنة. الصوم اذًا لقاء مع الآخرين، مع المتواضعين منهم. “انت تراب” وقد ترتفع عن التراب بتمجيد الرب. الامساك رياضة ليس الا لأن الرسول يقول: “الأطعمة للجوف والجوف للأطعمة والله سيبيد هذا وتلك … ولكن الجسد ليس للزنى بل للرب والرب للجسد… ألستم تعلمون ان اجسادكم هي اعضاء المسيح… ام لستم تعلمون ان جسدكم هو هيكل للروح القدس”. بولس يتخذ الزنى هنا صورة عن الخيانة، كل خيانة للرب وللاخوة.
انت في هذه الفترة المباركة المملوءة بالصلاة تضرب كل شهوة مؤذية فيك لئلا تستعبدك: شهوة الجسد وشهوة التملك وشهوة السلطة او التسلط على من هم لك اخوة في المسيح. والتروض على ذلك منه الإمساك عن بعض الأطعمة والامتناع عن الطعام ساعات طويلة في النهار. الإمساك ترويض في الكنيسة ومع الكنيسة. فأنت تعمل ما يعمله الإخوة مجتمعين في حضرة الله ولا تقول هذا لا ينفعني. آباؤنا قالوا هذا ينفعك فاقتف آثار آبائك ولا تصنع لك ديانة خاصة بك. انت تنجو بما نجا به الأقدمون وبما ينجو به الطائعون اليوم لهذا المسلك. هكذا تبيد اهواءك ولا يصطادك مجتمع الاستهلاك وفيه منافع قليلة ومضار كثيرة. واذا عرفت الأضرار تحرر منها. المهم ان تعرف انك فقط حر بالمسيح.
“ليس ملكوت الله طعاما وشرابا بل برا ونسكا مع قداسة”. هذا ما نقوله في الأحد الخامس. نفهم من هذا ان الغاية من الإمساك ان نصبو الى البر والقداسة. هذا هو الحضور الإلهي فينا يكثفه الرب يوما بعد يوم في الأربعينية المقدسة والاسبوع العظيم ليؤهلنا الى رؤية ابنه الحبيب معلقا على الصليب وخارجا من القبر. نحن نعرف ان هذه هي حياتنا كلها ولكنا نذوق ذلك بقوة في حقبة الصوم حتى ان الأتقياء لا يحتملون ان تنتهي. ولكنا نتمرن حتى تبقى ثمارها حية فينا على مدى الحياة. نحن في الروح صائمون ابدا، وفي الترويض صائمون فترة. ولكن المبتغى ان نصير رفقاء المسيح في حبه لنا وإنهاضه ايانا من موت الخطيئة حتى لا نبقى الا قامات من نور.
