يظن متتبع فكر الكنائس انه قابض على الوحدة قريبا، واذ بالآمال تتبدد فترة تطول أو تقصر. نحن الآن نعبر عاصفة هوجاء يشير إليها أنّ المحادثات الرسمية بيننا وبين روما انقطعت على مستوى اللجنة المشتركة، وبلغ الاختلاف أوجه بسبب النشاط الكاثوليكي المتزايد في بلدان أرثوذكسية مثل روسيا وأوكرانيا. كانت المشكلة بيننا قائمة على وجود الكاثوليك الشرقيين في أوربا الشرقية الذين اعتبرهم الأرثوذكس لا يتمتعون بشرعية كنسية حتى اعترفت اللجنة المشتركة المنعقدة في البلمند السنة الـ1993 انهم غلطة تاريخية ولا يمثلون نموذجا للوحدة.

غير انهم ازدادوا نشاطا في اوربا الشرقية ما عدا رومانيا حيث ضعفوا كثيرا. ولكن التأزم ازداد حدة لسببين بين الكنيسة الروسية والفاتيكان: اولهما ان روما انشأت اربع ابرشيات في روسيا وهيأت حوالى اربعين كاهنا يتقنون اللغة الروسية ليبشروا في روسيا. فاعتبرت موسكو ان تأسيس هذه الأبرشيات يدل على رغبة روما في التوسع على الأراضي الروسية، كما رأت ان الروسي المهتدي الى المسيح ولو عن طريق مبشر لاتيني ينبغي ان يندرج في كنيسته الروسية، كنيسة آبائه وأجداده. وهذا هو السبب الذي يجعل زيارة بابا روما لموسكو مستحيلة الآن.

الا ان انقطاع المحادثات لم يمنع العلاقات الثنائية بين الفاتيكان وهذه الكنيسة او تلك بما في ذلك اتصالات مع الروس. ويدور الحديث الآن على رغبة روما في استئناف هذه المحادثات، ولكنا لا نعلم مدى استعداد الارثوذكسية مجتمعة لقبول هذه الفكرة.

ولكن الى جانب هذه الصعوبات العملانية صعوبات لاهوتية. فالنصوص الصادرة عن الفاتيكان بدءا بوثيقة «الرب يسوع» والرسالة الأخيرة للبابا عن سر الشكر (القربان) تبدو عقبة كأداء دون التفاهم. وثيقة «الرب يسوع» تصرح ان كنيسة المسيح قائمة بكليتها فقط في الكنيسة الكاثوليكية، وهو أشد تصريح حتى الآن يدل على عزل الارثوذكسية من كون كنيسة المسيح قائمة ايضا فيها. اما في ما يختص بالرسالة البابوية عن سر الشكر فقولها ان القرابين يقوم بها اسقف متحد بالبابا، الأمر الذي يوحي بأن القداس الارثوذكسي فيه شيء من الخلل اذ يقيمه اسقف غير متحد بالبابا. أضف الى هذا ان اللقاء الذي عقده «المجلس البابوي لوحدة المسيحيين» عن «الخدمة البطرسية» كان مخيبا لكل الآمال اذ لا تحتوي الوثائق الرومانية فيه ايّ ما يدل على تغيير في الموقف الكاثوليكي المتعلق بمكانة أسقف روما.

هذه الأمور كلها تشير الى ان كنيسة روما في وضع فكري غير متحرك نحونا.

من جهة اخرى هناك تصادمات بين بعض الرئاسات الروحية عندنا. فالروس واليونانيون اختلفوا على من يرئس كنيسة استونيا أهؤلاء ام اولئك، ثم وجدوا صيغة مصالحة. غير ان البطريركية المسكونية مختلفة مع كنيسة اليونان حول من يرئس أبرشية سالونيك. الى هذا يصرّ البطريرك المسكوني على انه هو الذي يرعى المهاجر، وفي هذا هو مختلف مع معظم الكنائس الارثوذكسية. العالم الارثوذكسي لا يؤلف اليوم جبهة متراصة لملاقاة الكنيسة الغربية بفم واحد. اجل لو قبلنا الاجتماع معا الى روما لمباحثات جديدة سنكون واحدا من ناحية العقيدة في مواجهة روما. غير انه يزين لي ان الكنائس الارثوذكسية لن تلبي كلها الدعوة.

الوضع المسيحي العالمي متأزم جدا ويحتاج إلى نعمة إلهية كبرى لتغييره. غير اني لست ارى الآن كيف يمكن لروما ان تلين او كيف تعود الثقة المتزعزعة الآن بين الشرق والغرب.

في هذا المناخ لا يبدو ان احدا يحرّك قضية الفصح لأنها تبدو للرئاسات الروحية ثانوية بالنسبة إلى الوضع العقائدي المتأزم. ثم لا يبدو لي ان شعوبا أرثوذكسية هامة مثل الروس واليونانيين والصرب مستعدون لخوض غمار هذه القضية ولو اراد الرؤساء الروحيون بحث هذه المسألة.

إلى ان يأتي الفرج، علينا ان نحب بعضنا بعضا وان نتعاون في الشؤون العملية كل مع الآخر في بلده بحيث لا نتصادم عملانيا ونقرّب القلوب بعضها إلى بعض ريثما ينقل الله الجبال.