في الخامس عشر من آب أقمنا عيد رقادها اي اننا نعترف بأنها ماتت. غير اننا اذا تابعنا خدمة العيد (غروبا وسحرا) نعثر على كلمة انتقال. انها انتقلت “الى الحياة بما انها ام الحياة”. هذا ما هو في عباداتنا وتركناه إنشادا وصلاة ولم يُحوِّله مجمع مسكوني او محلي الى عقيدة وقد فعلت ذلك كنيسة روما في منتصف القرن العشرين. ايقونة الرقاد تظهر والدة الإله مسجاة وحولها الرسل والى جانب سريرها السيد واقفا ويحمل روحها مصورة بشكل طفلة مُقَمَطة.

         الفكرة السائدة في كنيستنا ان والدة الإله قائمة في المجد الإلهي بمعنى انها لن تَمثُلَ أمام الديان الإلهي ولا تنتظر الغبطة الكاملة كما ينتظرها القديسون أنفسهم بعد القيامة. وتُطَبِق عليها الكنيسة كلام داود: “قامت الملكة عن يمينك موشحة ومزينة بثوب مذهب”. انها عن يمين ابنها الملك اي انه رمى عليها وشاح كرامته.

         ولكونها تستمد كرامتها منه هي لا تريد ان نَذكَرَها دون ان نَذكُرَه. ان المبالغة في ذكرها في ادعيتنا الخاصة دون ان يبقى لنا دعاء واحد للسيد إنما هو خطر         روحي. ولذلك لا نراها في كنائسنا مُصوَّرة وحدها. على الايقونسطاس وجدران معابدنا تحمل دائما الطفل الإلهي وكأنها تقول: انا ما وُجدت الا لأحمله اليكم فاذا خاطبتموني انا أدلكم عليه. لذلك تُنعت السيدة الحاملة الطفل على ذراعها بالـ “اوذيغتريا” اي المرشدة والمعنى انها ترشدنا اليه. ويدها اليمنى تشير اليه.

         كيف نفهم تعظيمنا للعذراء؟ هي قالت عند لقائها أليصابات أم يوحنا المعمدان: “ها منذ الآن تطوبني جميع الأجيال”. ولكن هذه الآية تأتي من بعد “تعظّم نفسي للرب”، ومن بعد “لأنه نظر الى تواضع أمته”. إذًا تواضعها هو الذي نعظمه. وما يؤكد هذا انها بعد ان سمعت سلام جبرائيل لها ودعوة الرب لها انها ستكون ام السيد قالت: “ها انا أمة (اي عبدة) للرب”. كِبَرُها من كونها رأت نفسها في حالة الطاعة لله.

         ماذا تعني طاعتها الى جانب قبول تفويضها بالأمومة للرب يسوع؟ الإنجيل يقول انها كانت “تحفظ جميع هذه الأمور (اي المتعلقة بيسوع) في قلبها” (راجع لوقا 2 :51). في موضع آخر فيما كان السيد يتكلم “رفعت امرأة صوتها من الجمع وقالت له طوبى للبطن الذي حملك والثديين اللذين رضعتهما. اما هو فقال بل طوبى للذين يسمعون كلام الله ويحفظونه” (لوقا 11: 27 و28).

         لا ينكر هنا السيد ان مريم مُطوَّبة لكونها حملته. ولكنه أراد ان يركز على اننا جميعا نحمله اذا حفظنا كلامه ولوقا الذي كتب هذا انما هو القائل في ما سبق وقلناه ان والدة الإله كانت “تحفظ جميع هذه الأمور”.

         الى هذا لنا عبرة من عرس قانا الجليل. ففي البدء قالت له عن المدعوين الى العرس: “ليس عندهم خمر”. فقال لها يسوع “ما لي ولك يا امرأة. لم تأتِ ساعتي بعد” اي ما شأننا نحن بناس يشربون الخمر. وقت اعجوبة اظهر فيها مجدي لم يأتِ. بعد ذلك حوّل الماء الى خمر اي انه انصاع لما طلبته. فقال الكتاب: “هذه بداية الآيات صنعها يسوع في قانا الجليل وأظهر مجده”. هي كانت الدافعة الى كشف قوة يسوع.

         ولعل اهم ما قاله السيد بشأنها لما كان معلقا على الصليب هو ما قاله لها فيما كانت واقفة هناك الى جانب التلميذ الحبيب: “يا امرأة هوذا ابنك”. التقليد الكنسي يقول ان هذا التلميذ هو يوحنا كاتب الإنجيل الرابع. غير ان الكاتب لا يسمي نفسه. وآباؤنا قالوا انه صورة عن كل تلميذ حبيب. مريم اذًا أمّ لكل من أحبه يسوع. انها حاضن لكل واحد منا. ولهذا يحق لنا ان نسميها في صلواتنا: “عروس الله”. هي الحبيبة الاولى. ولذلك يصغي الله اليها.