نحن نرافق المؤمن اذا مات ولسنا متفرجين عليه او متفرجين على انفسنا. فاذا انتقل احدنا، يوضع في غرفة، والذين حوله يتلو احدهم المزامير بصوت عالٍ او يرتل احدهم، ويستحسن ان يأتي الكاهن قبل الدفن اكثر من مرة ويقوم بصلاته او يتعاقب كهنة الجوار. هذه تقاليدنا.
اما ان تتحلق النساء حول النعش لتبكي او تنظر الى المتوفى وتلامسه فهذا من بقايا البكاء على الإله تموز في فينيقية. الذي لا يريد ان يستمع الى الصلوات فليجلس في الصالة او حيث يشاء. النوح ليس من آدابنا. فلتجلس النساء مع الرجال ليتقبلن التعازي، ولكن لماذا التفجع وإظهار التفجع؟ هذا عندهن ليس صلة بالبيت. هو صلة بانفسهن. ونفوسهن في حاجة الى هدوء وسلام. هذا النوح دليل رفضهن الموت. والموت بعد ان قام المسيح منه ليس عندنا فاجعة. حكم عادل على الإنسان وعبوره الى الحياة الأبدية.
في الموت اللياقة واجبة، لياقة احترامنا لسرّ الموت والحياة. المطلوب ان نتغلب على الألم بالرجاء وطريقته الصلاة. التعلق بالميت شعور ضد ايماننا بالقيامة. اللون الاسود، الحداد كل هذا ضد الإيمان بالقيامة. المسيحيون الاولون لإيمانهم الحقيقي بها كانوا يرتدون في حالة كهذه البياض. السواد يعني اننا دخلنا رمزيا بالموت نحن ايضا. وهذا كله زي افرنجي استوردناه ولا علاقة له بإيماننا. يجب ان تقوم امرأة شجاعة وتتحدى هذه الأزياء. جواب بعض النساء انا ارتدي الأسود لأن نفسي حزينة مردود بسؤالي: لماذا تريدين ان تعبّري عن الحزن؟ انه في اعتداله في القلب. اما ان نجمع الكآبة الى تشييع الميت الى الكنيسة فهذا تناقض.
الى هذا فاذا مات شاب يأتي اهله بتابوت ابيض ويزينون الكنيسة بشريط ابيض ليزداد الحزن على فراق شاب. وهذا ليس عندهم علامة قيامة. يوغل هكذا الجمهور بالحزن. “لا تحزنوا كما يحزن باقي الناس الذين لا رجاء لهم”.
واذا اجتمع الرجال في البهو فإنهم يدخنون. هل في هذا حشمة؟ اما الطعام والشراب والماء والقهوة فهي من الحياة ولا مانع منها. انها استراحة من التفجع. غير ان ابتعاد الرجال عن الجثة فلا يعطيهم الحق في كل الأحاديث المعقولة وغير المعقولة. الصمت وحده حشمة كاملة ومعه التراتيل الكنسية بوجود مرتلين او مسجلة. هكذا تكون آداب الجنازة.
ولا تنتهي المخالفات عند هذا الحد وبخاصة اذا كان المتوفى شابا. ما هذه الرقصة بالتابوت، وما معنى رفع التابوت على الأكف عاليا؟ هذا ايضا من باب التشدد بالحزن. وما هذا الطواف من مكان الى مكان، ومعروفة الطريق من البيت الى الكنيسة. وأقصر طريق يدل على الاحتشام وعلى الا نتظاهر.
لقد وضعت الكنيسة اياما لإقامة الصلاة: الثالث والتاسع والأربعون والسنة، ويجوز غيرها حتى يرتاح المؤمنون بهذا الإيقاع من الوقت وتقل احزانهم وليستمطروا الرحمة على من يحبون فيرتفع مقامه في الملكوت ويُقبل المؤمنون عليها او على بعضها. اي انهم يدخلون في السلوك الذي تريده الكنيسة. أليس في هذا تناقض مع الذي يجري يوم الدفن؟
لم يقل الرسول بولس: لا تحزنوا، ولكنه قال لا تحزنوا كما يحزن باقي الناس الذين لا رجاء لهم. أي هناك حزن معتدل مرتبط برجاء القيامة، والمطلوب تخفيف المظاهر التي كان يقيمها الوثنيون في بعض بلدانهم ولاسيما في الشرق القديم الذي لم يكن يعرف شيئا عن القيامة. هذا كله يحتاج الى تربية جديدة.
اما في الكنيسة فأهل الميت وأصدقاؤه والناس مدعوون الى الانتباه الى كل كلمة لأنها كلمة الحياة. لا تذهب النساء عندنا الى القبر. لا مانع. ولكن اذا عدن الى البيت، فهذه العودة مصحوبة ايضا بالإيمان والانصراف الى الحياة الطبيعية. وبعض منهن يقاطعن القداس الإلهي فترة من الزمن، والقداس مكان التعزيات الكبرى. لا ينبغي للحي ان يموت مع الميت ليظهر تعلقه به. هذه اشياء مؤذية للنفس. بعد الدفن تنتقل انت الى شؤون بيتك وعملك والى الصلاة، وهي وحدها تنفع الأموات والأحياء.
