صبر أيوب وصبر المسيح والشهداء والقديسين الذين يشبهونهم ما معناه؟ ما هذه الفضيلة التي قال عنها السيد: «من يصبر إلى المنتهى يخلص»؟ هل تعني الانهزام أمام المصاعب وأن أستكين «ليعبر غضبُ الرب» أم تعني شيئا أعمق؟ ما من شك ان المعنى ليس ان نحتمل «يللي دمهم ثقيل» والذين يزعجوننا أو يؤذوننا خوفا من ان نواجههم. اذ ذاك يكون هذا هروبا واننا نفضّل الراحة على حل مشاكلنا مع الناس. أمام الوجود الموجع لا يطلب منا الرب مجرد هدوء الأعصاب أو لا مبالاة لأنك ان تركت الأشياء المزعجة تسير مسيرتها ولم تصلح الأوضاع التي أنت قادر على إصلاحها تكون قد اشتركت بالشر المتفشي حولك.
الصبر هو أولا ان تصلي من اجل الآخر لتحل عليه نعمة الله لكي يتوب وتتحسن حاله فيشفى من مصائبه. طبعا هناك إصلاح في كل منا يتطلب زمنا. الصابر هو من اعتبر ان الزمان موجود وأنّ تحسُّن الآخرين يتطلب نعمة من الله. ثم يعرف الصبور ان الهدوء الذي يواجه به الآخرين عنصر من عناصر الإصلاح، والهدوء فيه طلب لرحمة الآخر الذي صارت حياته صعبة. الصبر إذًا هو أولا موقف من الله الذي لا يغير نفوس الناس في اللحظة إذ ينتظر مشاركتهم في عطائه وارتضاءهم للفكر الإلهي، ولذلك قال صاحب المزامير (37: 7): «انتظرِ الرب واصبرْ له». أنت تعرف ان الله معينك في احتمال المشقات وانك في حاجة إليه لاحتمالها.
ان تصبر يعني انك لا تستعلي ولا تكره ولا تعبد ذاتك وأنت تتفهم الآخر في غضبه أو كبريائه. خذ هذا الآخر إلى قلبك عساه يدخل منه إلى قلب الله. كن شفوقا حتى النهاية واكسر قلبك بالتواضع. تواضع ليس فقط أمام الله ولكن أمام الناس. أبو الرأفات عند ذاك يرحمك، ويضمك يسوع إلى صدره ويربيك في الزمان الطويل الذي يمر عليك بانتظار رحمته للآخرين.
وإذا حسبت انه ينبغي ان تلوم أو ان توبخ فافعل هذا بلا صراخ ولا كبرياء ولا تحسب نفسك انك أعظم ممن اخطأ إليك. ولكن لا نحتاج إلى لوم أو توبيخ كل وقت. غير اننا في كل وقت نحتاج إلى الإشفاق على الذين عذبتهم الحياة. وإذا كنت وديعا فهذا خير سبيل إلى تصحيح الخطأ عند الآخرين. ولكنك لن تصبر ما لم تتحرر من الغرض، من الأنانية. تعلَّم الا تطلب شيئا لنفسك، الا تشترط شيئا على من أعطاك الله ان تعينه.
فأنت لن تصبر الا إذا كنت مستقلا وحررت نفسك من الذي تصبر عليه. إذا كان احد سيدا عليك فليس لك في الصبر نصيب. أنت ترى الذين لا يفهمون وترى من ليس عنده محبة. كذلك ترى المنافقين. كل هؤلاء اشملهم برحمة الله التي فيك. وإذا تعلمت ان كل إنسان جريح وملقى على طرق الحياة فبلسِمْ جراحه واعتنِ به ولا تطلب أجرا ولا شكورا. افرح بكل الناس في كل حين وعزِّهم عن شقائهم وابتسم لهم واحتضنهم وكن صادقا معهم باستمرار.
هذا كله مجموعا هو الصبر لكونه إرضاء لله تقوم به كل يوم ولو كنت متعبا من كثير من الناس، هؤلاء الذين مات المسيح من أجلهم.
