ايجابي ان الرجل شوهد في شجاعته على اقتحام السفر، وهو على شيخوخة متعبة، وجميل انه شوهد على كثير من طراوته لمن كان قادرا على المشاهدة. في اللقاء الشخصي يسقط شيء من البناية المتكونة فينا عن الآخر. يوحنا بولس الثاني حلم في انسانية افضل وفي كنيسة متلاقية، حلم قلب اية كانت الآراء اللاهوتية. ليس اننا «شعراء» نظن ان جودة الرجل وتواضعه يطبعان كنيسته بصورة آلية. ولكن شخص الأسقف الاول في الكنيسة اللاتينية، بسبب تركيبها وقناعاتها، له اهمية كبرى.
من ناحية اخرى ما من شك ان ما شاهده يوحنا بولس عندنا يختلف عما كان يعرفه عنا. فهو يعرف عنا الانقسامات، ولكنه رأى ان المسيحيين على أرض أنطاكية واحد على الرجاء وإن كانوا على هذه الواقعية التي تقول انهم لن يصيروا كنيسة واحدة في المستقبل المنظور. أن يتابعوا مسيرتهم الى الوحدة بلا تسرع غير مسؤول، بعمق فهم، هذا ما ندعو الله ان يمنّ عليهم به.
في الكلام الكنسي للبابا دعوته ان تتقارب الكنائس في هذه المنطقة من العالم في اتجاه التقارب الحادث في العالم. كيف يُترجم هذا التقارب المناطقي؟ هل يُترجم؟ هذا ما ستكشفه الأيام. ولكن الحدث الأبرز لاهوتيا كان في دمشق خطاب بطريركنا في الكنيسة المريمية. وهذا يتجاوز المناسبة ليقول شيئا أعمّ وأعمق على أمل ان نعود الى هذا الخطاب-الوثيقة.
ما يميز الوثيقة انها جاءت منفتحة ورقيقة من جهة، وواضحة في ارثوذكسيتها في آن. أُسقف انطاكية من موقعه التاريخي والعقائدي والراجي الوحدة معا خاطب اسقف روما. وكان يجمع هذين الكرسيين لما كانت روما تعيش معنا الوحدة أنّ الجالسين عليهما كانا متحدّرين من بطرس وبولس.
يجب ان نتأمل في النص البطريركي بكل دقائقه لكونه يرسم سياسة الكرسي وربما الارثوذكسية جمعاء. ولكني اود في هذه العجالة ان ألفت الى المقطع التالي (الذي أنقله عن الفرنسية): «ليس لكرسيّ رسولي ان يعتبر نفسه الضامن الوحيد لاستقامة الرأي. الكنيسة وحدها هي المؤهلة ان تكون ضامنة لكرازتها وان تؤصّلنا في الروح… هذا الإيمان يبقى المعيار للحكم في كل تطور (عقائدي) لاحق. وعلى رغم كون الارثوذكسيين غير مستحقين، فالكنائس الارثوذكسية تعرف ان تعليمها موافق لتراث الآباء وايمان المجامع المسكونية. نؤمن اذًا بكل تواضع ان الكنيسة التي اسسها المسيح ما تزال باقية بكل ملئها في الكنيسة الارثوذكسية».
هذا هو المقطع العقائدي الكبير في خطاب صاحب الغبطة الذي لا تحجبه عبارات المودّة عند غبطته ولا تحجبها الرؤى الكبيرة على مستوى العالم والوطن والتاريخ. بكلام بسيط، ليست روما كل الكنيسة، ولا تستوعب وحدها الكنيسة الاولى التي أسسها السيد. هذه قائمة في ملئها في الكنيسة الارثوذكسية الحالية.
خطاب بطريرك انطاكية وسائر المشرق الجالس على كرسي بطرس وبولس أتى آية في الوحدة بين العقيدة الواضحة والصامدة، والأخوّة الكاملة. فالقطيعة والتنابذ أمسيا من الماضي، ونغفر ونحب الذين في الغرب يحبون ربنا يسوع المسيح، ونسير واياهم في خدمة الفقير والغريب والمقهور في كل بلدان العالم، فنتقدم على طرق القربى ونحن امناء لما استلمنا حتى يهبنا يسوع بفضلٍ منه وحدة أن نبدو جسدا واحدا له.
