هنا وهناك في القديم كانت الذبيحة الإلهية تقام على أضرحة الشهداء لكون الشهداء يقيمون في المجد الإلهي والقداس الإلهي احتفال بالقيامة الآتية. الشهداء يشددونا الى القيامة الأخيرة. ثم اندفع المسيحيون من هذا التكريم الى تكريم القديسين الآخرين الذين كنا نعتبرهم شهداء بيضا (اي بلا سفك دم) اذ أماتوا شهواتهم على الأرض. وفي الواقع احتفظ المسيحيون، هنا وثمة، بالهياكل العظمية لبعض القديسين مثل امبروسيوس اسقف ميلانو والقديس نيقولاوس اسقف ميرا الموضوعة رفاته في باري (ايطاليا).

         وما يميز هذه الهياكل او جزءا منها كالجمجمة او اجزاء من الذراع وسواها ان هذه العظام يفوح منها رائحة زكية كالعطور. أضف الى هذا اننا في حفلة تكريس كنيسة نضع في صلب المائدة المقدسة ذخائر من الشهداء وهذا استمرار لعادة اقامة القداس على قبور الشهداء.

         الفكرة الأساسية هي ان هذه الرفات تنطق بالقيامة المرجوة وتشير اليها. ولكن بسبب الضعف البشري ممكن ان ينشأ الاعتقاد ان هذه الرفات لها فعل في ذاتها كقول بعضهم انا احمل الذخيرة الفلانية (تخيرة بالعامية) وهي تحمينا من كل أذى. هي لا تحميك بلا ايمانك وتوبتك. الخطر تاليا ان نجعل لهذا الإكرام مركزا ممتازا يحِّولنا عن العبادة بالروح والحق.

         هذا في خط الإكرام العام الذي يليق بالقديسين. ومن الواضح عندنا ان كنيستنا تكرّم الذين طوبتهم هي بعد انفصال الكنيستين احداهما عن الأخرى كما تطوب قديسي الألفية الاولى. ذلك لأننا على علاقة روحية مع اولئك الذين كانوا على الايمان الارثوذكسي او استقامة الرأي. ايقونات هؤلاء نقيمها في كنائسنا ومزارات هؤلاء نزور. وهذا لا يمنعك ان تكون معجبا بالجمال الروحي الذي عند المسيحيين الآخرين وان تطلع على سيرته ويكون لك كفرد علاقة به لأن كل إعجاب نوع من العلاقة. غير انه من الثابت ان الانشقاق يجعلنا من حيث الإكرام الجماعي مرتبطين بالذين كانوا على ايماننا.

         غير ان الأهم ان يكون إكرامنا الفردي للقديسين خاضعا لعبادتنا الثالوث المقدس. وهذا التوازن تجده في الطقوس فلا يطغى ذكر مخلوق مهما سما على المسيح المبارك الى الأبد. المسيح هو وحده حياتنا. والقديسون شركاؤنا في الصلاة اليه.

         رُوِي لي مؤخرا ان فلانا يقول: انا اطلب شفاعة قديس ليساعدني على الكلام الى السيد لأن السيد بعيد. هذا يجري في الحكومة حيث تتوسط شخصا نافذا لتصل الى وزير. اما في المجال الروحي فيسوع اقرب اليك من مخلوقاته. انت لا تتوسط القديس بالمعنى الدنيوي. انت تقف معه في الصلاة امام وجه السيد الوحيد.

         المهم في كل هذا ألاّ نعتبر القديسين أنصاف آلهة واقفين على درجات منتصبة بيننا وبين الله وألاّ نعتبر ان شيئا ماديا (ايقونة، ذخائر) يحتوي بحد نفسه قدرة على الشفاء. الحركة هي من الله الى القلب بالنعمة ثم من القلب الى الله بالدعاء وذلك في شراكة الذين يحبوننا بالمسيح وعلى رأسهم اولئك الذين بلغوا وجهه.