إنجيل اليوم فحواه مثل من امثال يسوع التي يصم بعضٌ أذنيه عند سماعها لكونه منشغلا بنفسه عن الملكوت، ويفتح بعض اذنيه لسماعها حتى يخلص بها. قصة اليوم ان مزارعا كبيرا أخصبت أرضه قصة مألوفة وان يتأمل بجميع ما فاض عنده من الحبوب في مخازن قمح اعظم مما كان لديه هي رغبة طبيعية جدا. هكذا توظف الأموال. والمال لا بد من توظيفه.

            وان يأمل بعد هذا بشيء من البحبوحة وان يأكل ويشرب على منوال لم يكن لديه فيما قبل فطبيعي جدا. لماذا يسميه الله جاهلا؟ الا يبدو هذا ان الرب ضد توظيف الأموال وضد الادخار؟ “هذه التي اعددتها لمن تكون؟”. الجواب الطبيعي انها تكون لأولادي. غير ان الرب يكمل حديثه مع الرجل اذ يقول: “هكذا من يدخر لنفسه ولا يستغني بالله”.

            الذي الله يلومه هو من يُراكم الأموال ويشعر ان قوته في هذه الدنيا او استمراره هو بها. ربما لما كان هذا الرجل مزارعا صغيرا كان يتكل على الله. السؤال هو هذا: هل يقدر مثل هذا ان يصبح مزارعا كبيرا ويبقى اتكاله على الله؟ مبدئيا هذا ممكن اذا لم يغير نقطة اتكاله. اما اذا سحرته امواله الجديدة وتعلق بها ولم يعد يرى لنفسه غنى آخر، غنى روحيا، يكون هذا الازدياد أفسده.

            اجل لوقا الذي اورد هذا المثل يعطي مكانة كبرى للمساكين. غير انه هنا لا يقول لصاحب الأرض: راوح مكانك ولا تستغل ارضك ولا توسع اهراءك او مخازنك. يقول لا تنسَ ان ثروتك هذه الجديدة لا ترفع شأنك وانك تخطئ اذا انت فقدت اتكالك على الله لتتكل على مال هذه الدنيا.

            القضية قضية قلب. ماذا يملأه؟ هذا يبدو السؤال. غير ان سؤالا آخر يصاحبه: هل من شرط حتى يصير الله صاحب قلبك حقا؟ على صعيد الثروة لا يعني شيئا ان تقول له: انا احبك اذ يجب ان تحب الإخوة. محبة الله لا تكون باللسان. المحبة يمتحنها الله فيك. والامتحان ان تحب المساكين فعليا، بالعمل. كان بإمكان هذا الفلاح الا يحتفظ لنفسه بكل ما ربحه. كان عليه ان يحتفظ لصغار المزارعين الذين كان منهم بحصة من الحنطة تنفعهم للزرع القادم. ولكنه “داخ” بماله المتكاثر ونسي معا الله والأنسباء واهل الضيعة المحتاجين.

            ان نذكر الله ذكرا كثيرا لا تنتهي بأن نسأله حاجتنا او ان نشكره شكرا طيبا. ان نذكر الله هو ان نقيم مشاركة بيننا وبين الآخرين. الذي عنده ليعطِ الذي ليس عنده او يهتم له، واذا استطاع ان يساعده بواسطة اصدقائه حتى يجد لنفسه عملا، هذا هو التعاضد الذي يمكن ان نقوم به بمقدار قوتنا ومقدار نفوذنا. ان تحس ان الآخر من لحمك ومن عظامك وان تتوجع انت اذا توجع وتعمل لرفع ظلم هذه الحياة عنه هو المبتغى.

            ليس المطلوب ان تقوى وحدك ولكن ان يقوى الآخر من اجل كرامته ومن اجل اولاده حتى يجتنب الذل ويتحرر من الفاقة والمرض. اذكر دائما قول السيد: “كنت جائعا فأطعمتموني، عريانا فكسوتموني”. اذكر اننا بعضنا الى بعض جسد المسيح. في هذا الجسد لا يمكنك ان تقول لواحد: انت أخي. أظهر له هذه الأخوة بصورة ملموسة حتى يثق بكلامك ثم يمجد الآب الذي في السموات. اذا شاركته يمكن ان يحس للمرة الاولى انه أمسى ابنا للملكوت.