في هذا الإنجيل ينبئ يسوع مرة ثالثة بموته. نحن صاعدون معه الى اورشليم. يقوى شعورنا باقتراب الآلام. ما سيذوقه من اوجاع محكيّ عنه هنا. القيامة التي ينالها من الآب معلنة هنا ايضا.

         امام هذا الإعلان عن المحنة الرهيبة التي سيمرّ بها، ينبري ابنا زبدى ليطلبا اليه ان يجلس احدهما عن يمينه والآخر عن يساره في مجده بمعنى المجد السياسي الذي كانا هما يحلمان فيه. اذ ان المسيح في المفهوم اليهودي زعيم قومي يحرر – في ذلك الوقت – شعبه من الرومان.

         أَسكتهما يسوع بقوله: “انكما لا تعلمان ما تطلبان”. انا لست منقذا وطنيا. انا منجّي النفوس من الخطيئة ومحررها من الموت الأبدي. ثم يسألهما ان كانا مستعدين ليتألما معه (الكأس التي أَشربها، الصبغة التي أَصطبغ بها). لا شيء يدل انهما فهما هذا الكلام حق الفهم. اجابا نحن مستعدان. ولكن كان للسيد لغة ولهما لغة اخرى. بقي الالتباس.

         عند ذاك غضب عليهما التلاميذ. ربما كان هذا حسدا. ربما اشتهى الكل المشاركة في مُلكٍ ارضي. عند ذاك سفّه يسوع كل الرسل بقولـه: “إن رؤساء الأمم يسودونهم (ويريد بذلك الأمم الوثنية) وعظماءهم يتسلطون عليهم”. يسوع كـان واضحا عنده ان سياسة الشعوب كلها تسلُّط من الحكام، وان سعي التلاميذ الى سلطة في هذا العالم لا تخـرج عن شهـوة الملك. ولهذا تـابع: “من اراد ان يكون عظيما فيكم فليكن لكم خادما”. الانسان التابع لي يتكون من خدمته ولا يتكون من سلطانـه. خذوني اذًا قـدوة “فإن ابن البشر لم يأت ليُخدم بل ليخدُم ويبذل نفسه فداء عن كثيرين”.

         انا جئت خادما للكل. انا سأظهر لكم عند العشاء السري اني غاسل أرجل. انا، ابن الله، تبدو ألوهيتي للإنسانية بأني اجعل نفسي متألما عنها. ستنظرون اليّ معلقا على الخشبة اي ملعونا حسب الناموس وحقيـرا. المؤمنون الذين عرفوا اني مخلّصهم وذاقوا حلاوة الخلاص سيفهمون ان مجدي كان على الصليب. انا قلبت كل الموازين التي اصطلـح عليها البشر. فقد باتت العظمة بالتواضع، وجاءت الحياة، حياتكم من موتي. الذين يعرفـونني لا يستـولون على شيء ولا يستعبدون احدا ولا يهزأون بأحد ولا يحقرون احدا ولا يستعلون. احبائي سيصيرون غاسلي ارجل. يتحملون بصبر ووداعة كل شيء حتى يعلو الآخر. المؤمن بي سيفتش دائما كيف يكسر كبرياءه، كيف يبذل نفسه عن الآخرين.

         بعد ايام قليلة سنرافق يسوع في دخوله اورشليم لنحصل على الحب الذي جاء ليعطيه. وبعد هذا ايضا نرى القيامة. ولكن هذا لن يكون الا اذا اكتسبنا التواضع الحقيقي ليس فقط امام السيد ولكن امام الإخوة. “لقد تناهى الليل واقترب النهار”. فلندخل النهار الذي لا يعتريه مساء.

         المؤمن بيسوع يتبع يسوع حتى النهاية، حتى الموت ويقدم نفسه عن كل انسان حتى الموت اذا اقتضى الأمر ذلك. وكما قام السيد من بين الأموات نقوم نحن في حياة جديدة ممتلئة من النور. ليس بعد هذا الا فرح الفصح.