طبعا لا تتوقع ان أُحدّثك في السياسة. اني محدّثك في الأخلاق الوطنية. فمذ ان آمنت الشعوب بسيادتها انت لست مأمورا عند اهل الحكم. انت تصنع الحكم. قد لا يكون هذا، اليوم، على قدر كبير من الصحة. قد تكون سيادتنا منقوصة. ولكن عندنا تركيبة برلمانية قائمة. لا يجوز لنا ان نتجاهلها. وجهادنا ألاّ يدخلها السيئون والتفهون.
ان قاطعتَ الانتخابات او رميت ورقة بيضاء، فأنت تساعد السيئين والتفهين ان يكثروا. ان المقاطعة لو قلبت الطاولة فلا مانع منها. ولكن شيئا لن يقلب الطاولة لأن هذا المجلس سيكون مؤلفا -إلى حد كبير- من النواب الحاليين. والضغوط كلنا يعرفها. ضمن هذه المحدودية للحرية، في جو هذه الضغوط وامام إغراء المال، أفهم انك تقرف. ولكن الاستنكاف عمل سلبي ولا يُصلح شيئا.
هذه هي الأسماء وفيها الحسن وفيها الأقل حُسْنا. انت ضع الأسماء التي تؤمن بصلاحها ونزاهتها وفهمها وبرامجها. وعند فقدان البرنامج، يبقى الفهم والطهارة عند بعض من المرشحين. انت اسلك حسب وجدانك. لا شيء يضطرك ان تنتخب من لا تريده ممثلا عنك. لا شيء يجبرك ان تتبنى لائحة بكاملها. قد يُطلب منك ذلك، ولكن ابقَ واعيا حريتك. قد ترى نفسك مضطرا ان تختار بين سيء ومن كان اقل سوءا. في امور الحياة نختار اهون الشرين. أضعفُ الإيمان ان تختار من تؤمن به. فاذا اعتبرت وجود ناس صالحين كثيرا او نسبيا اكتب اسم مرشح صالح. وبهذا تكون ساهمت في بناء وطن.
نعرف ان مجلس النواب ليس كل الوطن. ولكنه مؤسسة اساسية في بنيان الدولة، في التشريع، في مراقبة الحكومة. المجلس يمكنه تقويم لبنان وتوجيهه إلى الخير. لا تستخفّ بأهمية المجلس على رغم ضعفاتنا الحاضرة وعلى رغم الاهتراء العميم. انت تعمل في الظروف القائمة، وهي ليست خير الظروف. اذكر قول السيد: «ادخلوا من الباب الضيّق». من الصعوبات وفي ظل هذه الصعوبات، حاول مع الذين يشعرون بواجبهم الوطني ان تأتي بعشرة او عشرين من النواب الجيدين. هؤلاء يمكنهم ان يأتوا بشيء جديد. ربما حلّت الأعجوبة وألّف هؤلاء كتلة متراصة، متعاونة تستطيع ان تأتي بتغيير الاوضاع.
انا لا آمرك روحيا بشيء، ولكن الاتجاه الصحيح في الديموقراطيات هو المواجهة الايجابية للاوضاع. انا لا اوجهك إلى أي اسم لأن الكنيسة مستقلة عن هذه الشؤون العابرة. كنيستنا لا تتدخل في السياسة الواقعية لأن المسؤولين في الكنيسة ليس لهم كلمة في الأشخاص ولا هم يحللون وضع هذا او وضع ذاك. انت، كعلماني، ناضج وتعرف مصالح البلد ومصلحة منطقتك.
نحن لا تهمنا المعارك الطائفية أو الدوافع الطائفية والمذهبية. وما من شك ان كل الطوائف فيها مرشحون صالحون. طبعا يهمنا ان يكون المرشحون الارثوذكسيون خير المرشحين. غير انهم ممثلون عن الأمة كلها. انت اختر الارثوذكسي وغير الارثوذكسي في الجدية الواحدة وفي الإخلاص الواحد.
استلهم الرب قبل ذهابك إلى صندوق الاقتراع. تأمل طويلا في الأمر وخذ ورقة وفكر مليا بكل المرشحين. افحص ماضيهم ان كانوا من القدماء. وافحص الجدد بكل رصانة. واذا تشكلت قناعتك، فخُذ ورقة وأنت في بيتك وارمها في صندوق الاقتراع يرضَ الرب عنك. وعلى هذا نرجو ان يظهر مجلس فيه بعض الخير وبعض الفهم وبعض النقاوة. وهذا افضل من مجلس هش.
