«لا يستطيع أحد أن يعبد ربَّين» (متى 6: 24). هذا يعيدنا إلى أن الرب في العهد القديم يسمّي نفسه إلهًا غيورًا لا يحتمل أن تُشرِك به معبودا آخر. كل معبود آخر صنما كان أَم شهوة يخلخل عبادتك للإله الواحد الذي وحده يجعلك كيانا موحَّدا لا تَبَعثُر فيه ولا تَفتُّت ولا ثنائية. وبهذا المعنى أكد بولس بقوله: «لا إله إلا الله الأحد» (1كورنثوس 8: 4).
ينتج من هذه الوصية قول السيد: «لا تهتمّوا لأنفسكم بما تأكلون وبما تشربون ولا لأجسادكم بما تلبسون». لا تهتمّوا تعني لا يكن فكركم منشغلا بالطعام والشراب، لا تكونوا مأسورين لهما بحيث لا يأسركم الله.
قد يزيَّن لقارئ الإنجيل للوهلة الأولى أن ما يدعونا يسوع إليه أن نهمل السعي إلى النشاط في سبيل المعيشة في المهنة. هذا تفسير مغلوط لأن الرسول يقول: «إن كان أحد لا يشتغل فلا يأكل أيضًا» (2تسالونيكي 3: 10). الدعوة إلى العمل تفترض سعيا حسب الوضع الاقتصادي الذي نحن فيه. والاقتصاد الحاضر يتضمّن اهتماما حثيثا بأمور الأنا بما فيها الادّخار وفتح حساب في المصارف والقيام بمشاريع منتجة.
هذا يبدو مناقضا لمَثَل الإنسان الغني الذي أَخصبَتْ أرضه وقال: «أَهدمُ أهرائي وأَبني أكبر منها». فقال له الرب: «في هذه الليلة تُطلَب نفسُك منك، فهذه التي أَعددتَها لمن تكون؟». المأخذ الحقيقي للسيد على هذا الغني لم يكن أنه بنى خزائن للقمح جديدة، ولكن أن نفسه انهمكت بالغنى وأحبّته. ودليل ذلك أن توبيخ المعلّم لَخَّصَته الآية القائلة: «فهكذا مَن يدّخر لنفسه ولا يستغني بالله». خطيئة الرجل أنه اغترّ بالمال واستغنى عن الغنى الروحي الذي يأتيه من الله.
يسوع لم يكن من حيث المبدأ ضد الادخار في ذاك الاقتصاد الزراعي البسيط في فلسطين، ولكن ضد الخطر الروحي الذي كان ناجما عنه. كذلك ليس الرب ضد توسيع الثروة في الحياة الاقتصادية الحالية، ولكنه ضد استعباد الانسان نفسه لهذه الحياة الاقتصادية.
لذلك أكد الرب: «اطلبوا أولاً ملكوت الله وبرّه، وهذا كله يُزاد لكم». الأوّلية إذًا لملكوت الله بمعنى أن الملكوت إذا ساد في قلوبكم فلن يدخل المال إليها. المال يوضع في جيوبكم أو في صناديقكم أو في المصارف، ولكن لا علاقة له بالقلب لأن كل ما يودع القلب يملأ كل القلب. فإذا ملأه الرب كليا لا يبقى مكان لشيء آخر. كذلك تعلُّقكم بالبشر إذا صار عبادة لهؤلاء البشر يكون عبودية لهم. يصبحون عليكم آلهة.
ليس المجال هنا للاستفاضة بالحديث عن خطر المال. ذلك انه يولّد حتمًا تسلّطًا على الناس. تعبدون، إذ ذاك، قُدرتَكم عليهم وتحكُّمكم فيهم. وهذا أسوأ الشرور. أن تطهر من كل شهوة الأشياء ومن اشتهاء البشر في استعبادهم، بذلك تقضي على هذه الخطيئة الكبرى. الناس في حياتكم وليسوا حياتكم. كذلك أشياء هذه الدنيا. تَيَقَّظوا حتى تجعلوا الله وحده حياتكم.
