الذين لا يفهمون الصوم يبرّرون أنفسهم بتعييرنا لماذا نُمسك عن طعام ولا نمسك عن الرذائل، كأنهم لا يرتكبونها، وكأننا وحدنا نرتكبها. نحن لا نباشر الصيام بالحزن الا اذا أردنا بذلك الحزن على خطايانا. ولذلك نقول في غروب هذا اليوم (اي الأحد مساء): «لنبدأنّ اوان الصيام بحبور». نحن طلاب فرح لأن كل همّنا في هذه الحقبة ان ننتظر الفصح وان نتذوقه خلال ايام منوّرة. ونؤكد أن صومنا عن الأطعمة يرافقه صومنا عن الأهواء اي عن حوافز الشهوة. نحن لسنا في سعي إلى تحسين صحتنا ولو نَفَعَ الامتناع عن اللحم. نحن في طريقنا إلى رؤية النور يوم القيامة. ولذلك قلنا عند الغروب بالتضاد مع الظلام: «قد أشرقت استنارة نفوسنا».

          هذا مؤسَّس على رسالة القداس (رومية 13: 11-14: 4): «ان خلاصنا الآن اقرب مما كان حين آمنّا. قد تناهى الليل واقتربَ النهار». نحن اذًا في شوق إلى القيامة واستباقها في الروح. نور المسيح آتٍ. يستنتج منه الرسول انه يجب ان نسلك «سلوكا لائقا كما في النهار» ويذكر بعض الخطايا التي تُناقض النور. ثم يقول: «البسوا الرب يسوع» اي التصقوا به كالتصاق الثوب بالجسد. واذا صرتم هكذا «لا تهتموا بأجسادكم لقضاء شهواتها» فإنها تطفئ النور فيكم.

          ثم يأتي انجيل اليوم (متى 6: 14-21) ليدعونا إلى الغفران: «إنْ لم تغفروا للناس زلاتهم فأبوكم ايضا لا يغفر لكم زلاتكم». هذا يبيّن لنا ان الصيام ليس فترة لنقيم فرديا علاقة بالرب ولكن علاقة بالبشر ايضا. التطهُّر الداخلي هذا هو المبتغى. ولذلك يقول: «لا تَكنزوا لكم كنوزا على الأرض». حرب شرسة مع الأنا النهمة، المتضخّمة، المنغلقة تاليا على الله والإخوة.

          روحية الغفران المتبادل جعلت الكنائس السلافيّة تُسمّي هذا الأحد احد الغفران. وفي الارثوذكسية جمعاء، عند نهاية الغروب، ينحني الكاهن امام المؤمنين جميعا وينحني امامه كل مؤمن حتى الأرض ويقبّله. ثم يجثو كل مؤمن امام الآخر ويتشكل هكذا صَفٌّ بحيث يكون كل واحد قبّل كل الحضور. وفي هذا السجود العميم يرتل الروس قِطَعا من عيد الفصح. في فلسطين، في شهادة لصفرونيوس اسقف اورشليم، يجتمع الرهبان في كنيسة الدير ويستغفرون الرئيس وبعضهم بعضا بالقبلة وينطلقون إلى البراري كل منهم وحده (طبعا يعودون مساء السبت من اجل مناولة يوم الأحد). ويردّدون الاستغفار في مساء كل احد، وهذا وارد في طقوسنا حتى اليوم. كل هذا يؤكد ان صياما بلا محبة الإخوة عقيم. ولهذا كان الكهنة في بلادنا حتى الأمس القريب يسألون المعترف اذا كان في حالة المصالحة مع كل الناس شرطا لتناوله في اسبوع الآلام. هذا المعنى نجده في آخر سَحَرية الفصح: «اليومَ يومُ القيامة فسبيلنا ان نتلألأ بالموسم، ونصافِح بعضُنا بعضا ولنقُلْ يا إخوة» (اي نُقبّل بعضُنا بعضا ونعتبر الكل إخوة). بدء الصيام ونهايته في اعتبار الآخر أخا.

          من هنا ان المؤمنين الراسخين يهنئون بعضهم بعضا عند حلول الصيام كما في انتهائه. أنت تَعْرض غفرانك. مَن قَبِلَه وغفر بدوره يكون قد دخل في الصيام مباركا وإلا كان صومه مجرد نظام طعاميّ تافه. من بعد أن حلّت محبة الله فينا بتجسُّد الابن لا يبقى لنا غير سر الصعود.