إذا سألت الكثير من البسطاء: متى عاش مار الياس؟ لا يخطر على بال بعض أنه من أنبياء العهد القديم. كذلك قد يجهل بعضهم أن من سُمّي مار شعيا ليس سوى إشعياء النبي. كذلك موسى النبي قديس عندنا. كذلك أيضا إبراهيم وإسحق ويعقوب (هؤلاء الثلاثة شهد لهم يسوع أنهم في الملكوت). لكل من الأنبياء القدامى، وهم 16، عيد.

          السؤال الذي يطرح نفسه هو: لماذا تعترف الكنيسة بقداسة مَن جاء قبل المسيح؟ السيد وحده هو المخلّص. عند انفصال روحه عن جسده بالموت، ذهب روحه إلى الجحيم أي إلى مثوى الأموات حيث أبرار العهد القديم. فقد ذهب «يبشر الأرواح التي في السجن» (1بطرس 3: 19) بمعنى أنه وَهب قوة القيامة الذين انتظروه ببرّهم. في العهد الجديد كلام على أن داود «رأى مِن قبلُ قيامةَ المسيح وتكلم عليها» (أعمال 2: 31). نقول في القداس الإلهي: «لقد كنتَ في القبر بالجسد، وفي الجحيم بالروح (أي بروحك البشري المملوء بالروح القدس)، وعلى العرش مع الآب والروح (القدس)». قيامة المخلّص بكامل نصرها هي التي تَبلَّغها الأموات السابقون لموت السيد. وهذا ما تشير إليه أيقونة النزول إلى الجحيم –وهي عندنا أيقونة القيامة– إذ ترسم المخلّص منتشلا بيديه آدم وحواء من الجحيم. الذين ماتوا قبل السيد ذاقوا قيامته. إن السيد المبارك غير الخاضع لزمان أضاء الذين قبله والذين بعده فصاروا جميعا له.

          إن الكنيسة لمّا نظرت إلى الأنبياء لم تر شخصيتهم مفصولة عن الروح القدس الذي نطق بهم. كيف يكون عقلهم محرَّكا بالروح ولا يكون كيانهم ممتلئا بالروح. إنها تخاطب حجِّي النبي بقولها إنك صرت «مسكنا إلهيا… أصبحت مشمولا بشعاع النعمة الإلهية…. ممتلئا من الاستنارة التي لا يعروها فساد». كذلك ترى أن دانيال النبي «متلألئ بإشراقات الفضائل ببهاء». هذه كلها مصطلحات تدل على أن الأنبياء نالوا مواهب الروح كما نالها قديسو العهد الجديد. استنارة، إشراقات وما إليهما من مفردات دقيقة من فكر الآباء القديسين تدل على أن الذين سبقوا المخلّص من رجالات العهد القديم عاشوا في المسيح يسوع قبل ظهوره الأرضي. لذلك لهم في الكنيسة أيقونات وكنائس وأعياد ونُسمّى بأسمائهم.

          فعلى سبيل المثال لا الحصر إذا عظّمت الكنيسة النبي الياس غدًا وبعد غد تشهد إلى أنه خصيص المسيح، والإنجيل لا يظهره مع الرب المتجلي في جبل ثابور إلا لأنه كان في حياته على الأرض ملتصقا بالمسيح بصورة سرية. وبهذا تؤكد الكنيسة أنها لا تفصل العهد الجديد عن العهد القديم، وأن المسيح هو إياه في العهدين ولو بدا في القديم أكثر احتجابا. ففي دستور الإيمان نقول عن الروح القدس إنه «الناطق بالأنبياء». تقرأ الكنيسة فصولا كثيرة من العهد العتيق في صلاة الغروب والصوم الكبير وفي العصور الأولى في القداس الإلهي لتوحي بذلك أن الأنبياء القدامى حاضرون بكلامهم في الذبيحة الإلهية وأن هذا الكلام يحيينا.

          نحن ليس عندنا إلهان. الإله الواحد الذي تكلم قبل التجسد «بأنواع وطرق شتّى» هو نفسه الذي تكلم بحبيبه في الأيام الأخيرة. المسيح ما جاء لينقض ولكن ليكمل. جذور تعليمه في الكتاب الذي كان يقرأه منذ طفولته. قرأ في مجمع الناصرة سفر النبي إشعياء كما جاء في بشارة لوقا أي إن يسوع اعتبر هذا الكتاب مُلهَما من الله، وبعد أن تلا المقطع قال: «اليوم تمَّتْ هذه الآية». كل ما قاله الأنبياء هو لنا، وهم معنا في كنيسة المسيح الواحدة.