أليست تمنّيات العيد نابعة من ملل الماضي؟ والسعادة التي ننشد نراها في الوقت الذي أمامنا، لأنّ ما انقضى من الوقت لم يؤتنا ما كنّا نبتغي، فنمتدّ شوقًا إلى الآتي علّنا نستردّ ما فات من فرص انطوت في زمان ميت. هذا يطرح مشكلة السعادة من أساسها. والفرق بين السائلين عنها ليس فرقًا جذريًّا. إذا كان الأنا هو ما يبحثون عنه، فتكون أسباب سعيهم قد اختلفت، لتتلاشى جميعًا في مقبرة واحدة. فما الفرق بين متع الهنيّهة ألهوًا كانت المتعة أم ارتزاقًا؟ إنّ اتخّام هذه «الذات» العابرة عابر أيضًا. إنّه ظلّ الظّل، وهم لا يكاد يرنو إلى الوجود حتّى يغيب. ولذلك السؤال عن مكمن السعادة سؤال باطل إذا كان المقصود منه الاختيار بين الشهوات. فكلّها تنصبّ أخيرًا في الأنانيّة مهما تباينت ألوانها. والذين يفاضلون بين لذّة ولذّة، بين مجد ومجد، بين وجه ووجه، ويجدون كلّ الحياة في ما يفضّلون، صائرون جميعًا إلى التعب. وما التنقّل بين اللذّات أو الأمجاد سوى تأكيد لهذا السأم البشريّ الذي يتخبّط فيه كلّ من ابتغى لنفسه، في حدود المنظور، مقرًّا ومن جعل الأنا فيه ملتقى الكائنات.

إذا كان ماضينا فيئًا يميل، فالمستقبل كذلك في حال اعتقادنا أنّ السعادة هي في ما يأتي إلينا، في ما نجنيه. ولكن، إن آمنّا بأنّ السعادة هي في ما نُعطي، في الشهوات التي ننحر لنصبح قادرين على النموّ، عندئذٍ لن تكون السنة الـ1964، بحدّ ذاتها، شيئًا. سيكون جمالها ليس في ما تقدّم، بل في ما نقدّم نحن فيها للناس الذين جعلهم الله في نطاقها. هذه الأزمنة المتقادمة ليست سوى فرصة لنا نمارس فيها حرّيّة انطلاق، نحيا فيها ارتقاب النعمة، يتكثّف النور فينا في مدارها، لنذيعه على العالمين خلاصًا من دوران الوقت ومن التقيّؤ. وبكلمة، لا نسأل عن أنفسنا ولا عن امتدادها، بل عن الآخرين، وإذا بالنفس تكتسب وجودًا وتمتلئ فاعليّة.

تبتدئ السعادة، بالضبط، عندما أنسى أن أسعى إليها، لمّا أخضعها، هي أيضًا، للمشكلة الكبرى: كيف يتمّ حقيقةً خلاص الناس؟ إذا صرت هذا الإنسان المغترب من فلسفة التمتّع، فالمستمعون يطرحون، عندئذٍ، على أنفسهم مشكلة معناهم في الوجود. وقد يدركون أنّ سبب الخيبة كان في طبيعة سعيهم وأنّ الانتقال منه إلى سعي مثيل فريد في الخيبة. ولذلك كان لهم في من استنار فرصة الخروج من الامتداد إلى الصعود. «وكلّ ما يصعد فيهم يتّجه إلى لقاء»، لقاء الله مصدر فرحنا ولقاء الآخرين في محبّة معطاء.