وُلد في النصف الثاني من القرن السادس ولا نعرف موطنه وأصله. كتب «السُلَّم إلى الله» فسُمّي السلَّمي بالنسبة اليها. الكتاب يحتوي على ثلاثين حديث في الفضائل التي لا يَبلغ أعلاها الا القليلون. ألّف الكتاب بعد جهاد طويل، ويجدر بنا جميعا ان نقرأه ولو وضَعَه لرهبان. اللافت في الكتاب ان صاحبه الذي دخل الدير صغيرا يعرف عن احوال العالم ما لا يعرفه اهل العالم. من الواضح انه كان مثقفا كبيرا، ومن الواضح ايضا انه لم ينتسب إلى جامعة. يعرف الكتاب المقدس معرفةَ مَن عاشره كثيرا كما يعرف الآباء الاوائل. وكل سطر في هذا المصنَّف يدل على ان ما قاله الرجل انما خَبِرَه شخصيا. يبدو انه غلب كل هوى في النفس يحجب عند اللصوق بالمسيح، بلغ المحبة التي يقول عنها انها ترزق النبوءة وانها «إقبال الدهر الآتي». يتغزل بالمحبة مستعيرا لغة نشيد الأناشيد: «أخبرينا ايتها الجميلة في الفضائل أين تَرعين غنمكِ»، ثم في التصاعد نفسه يقول: «الآن قد جرحتِ نفسي ولا أقوى على ضبط لهيبك».

          كتاب لكل الناس ولو قسا. يقسو عن حب. له الحق في ذلك لأنه أَدركَ الولَهَ بالله فيجرؤ على القول: «العاشق الحقيقي يتصوّر وجه حبيبه على الدوام ويعانقه على الدوام ويعانقه في قلبه بنشوة، ولا يستطيع حتى في نومه أن يسكّن اشتياقه اليه، لكنه يواصل في رقاده حديثه اليه. فعلى منوال هذا الحب الجسدي يكون الحب اللاجسدي. وقد انجرح بسهمه أحدهم (وأظن انه يشير إلى نفسه) فقال عن نفسه (ويا للعجب!): « «أنا نائم» لحاجةِ الطبيعة، «لكن قلبي مستيقظ» لكثرة حبي». هذا نموذج من التصوُّف الارثوذكسي الكبير الذي لا نجد له مثيلا الا عند القديس سمعان اللاهوتي الحديث بعد اربعة قرون. يعود إلى هذه اللغة في المقالة الأخيرة: «تشتاق النفس وتتوق إلى الرب وقد جرحها لهيب الحب وكأنه طعنة سهم». هذا هو سر العاشقين لله الذين لم يعرفوا الا النسك ولم يكن لهم خبرة عشق بشري. أعتقد أن سرّهم في ما قاله قديسنا: «مَن اتحد بالله يلقّنه الله أسرارَ أقواله». هؤلاء هم في مصطلحنا الارثوذكسي «مُسارّو الله» اي الذين بينهم وبين ربهم تسارّ. يُسِرّ لهم ما في قلبه ويُسِرّون له ما في قلوبهم، فاذا بهم يُقِيمون في خلوة مع الحبيب، ولا يدخل احد إلى هذا الخِدْر، ولكنهم يخرجون هم منه ليُخبرونا بما رأوا وبما «لمسته ايديهم من جهة كلمة الحياة».

          كل هذا كان لأن قديسنا طهّر نفسه قبل ذلك بينابيع الدموع، ولكونه استعطف الله بالاعتكاف ما طال الليل، كما نقول له اذا توجّهنا إلى هذا البار في صلاة سَحَر اليوم.

          كل هذا جاء بعد تعب شديد. بعد الزهد في كل شيء، وذلك ليس خوفا من العقاب (والكلام له) ولا طمعا بالثواب، ولكن «من يعتزل العالم حبا بالله يمتلك للحال نارا كالتي اذا ما أُلقيتْ في غابةٍ تضرم كل يوم نارا اشد اشتعالا». وفي هذا المنحى يكون المجاهد الحقيقي «مَن يحفظ غيرته متّقدة إلى النهاية، ولا يزال حتى الممات يزيد كل يوم على ناره نارا وعلى اضطرامه اضطراما وعلى شوقه شوقا وعلى همّته ونشاطه نشاطا دون انقطاع».

          من قرأ كلاما كهذا يتصوّر انه امام شاعر لا امام راهب (ما الفرق اذا كان الراهب محبا صافيا حتى النهاية؟). من قرأ هذا يقدر ان يفهم ان حبنا للمسيح ليس فيه ضجر. طوبى لمن تَسلَّق هذه السلّم ولم يسقط. اذا كان في العالم بعض من هؤلاء، فالعالم سماء مذهلة.