بعثتُ بما لا يقل عن رسالتين إلى كل رعية طلبت فيهما أن يرجع إليّ مجلس الرعية في كل ما يبغي استحداثه في مبنى الكنيسة والأوقاف لسبب قانوني هو من طبيعة معتقدنا أن المطران هو المؤتمن على الأوقاف. أن يكون الإنسان مؤتمنا يعني أن يكون منفذا لئلا تفرغ الكلمة من كل دلالة. وذكّرت بهذا مرارا على صفحات هذه النشرة, وتقيد الأكثرون, تعزيتي أننا أخذنا نتقيد بالنظام الكنسي, غير أن نفرا قليلا لا يزال يشذ.

          القاعدة البسيطة التي أرسيناها أن كل بناء أو تغيير في البناء أو إضافة على البناء يحتاج إلى إذن من المطران. ذلك أني أنا المشرف على سياسة الإنفاق وعلى الأوليات. فقد يقوم مجلس الرعية بإنفاقٍ الأَولى به مجال آخر في الرعية. وقد يؤتى بتغيير في العمارة غير مدروس فنيا، وقد تُرتكب أخطاء ضد الطراز البيزنطي، فكنائسنا مملوءة بصور غير بيزنطية، وبعضها مكدسة فيها ثريات كثيرة لا انسجام بينها بحجة أن فلانا نذر فقدّم. وقلنا غير مرة نحن لسنا ضحايا الأمزجة الخاصة. فمن ألهمه الله العطاء فليعطِ مالاً ليُنفَق ماله وفق برنامج للتجميل موضوع سابقا. فقد يندفع وكلاؤنا إلى نزع القشرة أو الورقة عن الحائط، وهذا ضد تقاليدنا لأن الحائط البيزنطي لم يكن يوما في التاريخ عاريا بل كان مكسوا بالفسيفساء أو الجداريات.

          وذهب الجهل بالبعض من قديم أن طلوا الجداريات الجميلة المرسومة منذ قرون فاندرست معالم فنية رائعة. وإذا تركنا سلطة المطران من الناحية القانونية فليُستشَر الخبراء الذين اعتمدناهم، ولتُرسم الأيقونات عند الفنانين الذين نعرف أنهم يعرفون التصوير البيزنطي.

          ماذا وراء كل هذا التصرف؟ وراءه نزعة التفرد المحلية، كأن كيانية الرعية تعني أن المعتمَدين فيها مجلسا يعرفون كل شيء، وقد يكون بينهم الخبير الاقتصادي أو الحقوقي أو الهندسي وقد لا يكون. أنا لست أشك بتقوى أحد، ولكن التقوى ليست هي المعرفة.

          والنفحة الأخرى التي نسمعها أن الوقف وقَفه أجدادنا. جوابي على ذلك أن الذين وقفوا الوقف انتزعوه من سلطة ورثتهم وجعلوه ملك الجماعة كلها. وجوابي الآخر عن هذا أن القرى فيها أحيانا حزازات عائلية، والمطرانية ليست فريسة لهذه الحزازات وتنظر إلى الأمور بموضوعية. وجوابي الثالث أنه لو كان لك ملك خاص فتأتي بمهندس ولا تفرض عليه شيئا يأباه ذوقه. والأهم من كل ذلك أن الرعية ليست كنيسة مستقلة. هي جزء من كلّ يدعى الأبرشية.

          أضف إلى هذا أن هناك مرضا متفشيا وهو استعمال المال للبناء أولا فندخل في مشاريع نعجز عن إكمالها. والأولية ليست للتعمير ولكنها لتعزيز الكاهن ولعزة الفقراء. وما كان البناء عندنا أو الزراعة إلا وسيلة لدعم الكاهن والفقراء. إن الشغف المفرط بالحجر يؤذي المسيرة الروحية. الأولية في سياستي الرعائية هي إعلاء شأن الراعي المحلي وإعلاء شأن المحتاجين ومنهم الشبان الأذكياء المحتاجون إلى دخول الجامعات ونحن نرصف الحجارة بعضها على بعض لنفتخر بها.

          أنتم تؤمنون بأن الأسقف أبوكم. قد لا يرى البعض هذا، ولكنه هكذا في التعليم الأرثوذكسي، وأرجو الله أن نكون قد مارسنا الأبوة بلا تحيز ولا نزق. فإذا كنتم تريدون في العائلة أن يستشيركم أولادكم في قراراتهم، أتُعرضون عن الأب الروحي وتستقلّون عنه لتفرضوا عليه أمرا واقعا؟ هل هذه عائلة؟