دخول السيد إلى أورشليم يعني قبوله الصلب. كان هو تنبأ غير مرة عن آلامه وقيامته. فبعد ان أَنهض صديقَه لعازر من الموت، دخل إلى المدينة المقدسة وفي هذا حقق نبوءة زكريا القديمة: «ابتهجي جدا يا بنتَ صهيون، واهتفي يا بنتَ اورشليم. هوذا مَلكُكِ يأتيكِ صديقا مخلِّصا وديعا راكبا على أتانٍ وجحشٍ ابن أتان». بوداعته يعلّم يسوع العالم الوداعة. هذه صورته إلى الأبد، وبها يَحكُم القلوب. الترتيلة بدل ان تقول «ابتهجي يا بنتَ صهيون» تقول: «ابتهجي يا بيعةَ الله»، ويأخذ الترتيل من الإنجيل (يوحنا 12: 1-18) هتاف «اوصانا» («هوشعنا» في لفظها الأصلي، وتعني خلّصنا يا الله). نحن في بداءة الخلاص الذي سيكتمل يوم الجمعة العظيم ويُعلَن عند فجر القيامة.
ركوب يسوع الحيوان جَعلَتْ منه الكنيسةُ دعوة الينا حتى نترك البهيمية التي كُنّا عليها لأن ترك رذائلنا وعيوبنا شرط لرؤيتنا الفصح. امام الأيام الآتية نقرأ في قداس العيد: «افرحوا في الرب كل حين، وأَقول ايضا افرحوا». سبب ذلك ان الرب قريب ليس فقط لكوننا ننتظر اليوم الأخير، ولكنه قريب في كل حين إن أردناه كذلك. ولهذا يحضّنا بولس في الرسالة (فيليبي 4: 4-9) ان نفتكر بما هو حق او عفاف او عدل او طهارة. فاستقبال اورشليم للسيد ينبغي ان نترجمه استقبالاً له في قلوبنا وإلا بطلَ العيدُ بالنسبة الينا.
نحن على استعداد الترحيب بيسوع اذا قلنا له عشية احد الشعانين وفي الليالي الثلاث الاولى من الأسبوع العظيم: «ها الخَتَن يأتي في نصف الليل». أخذنا لفظة «الختَن»، وهي سريانية وتعني العريس، والمراد به طبعا يسوع عريس الكنيسة وعريس كل نفس طائعة له. الأعياد تجري في القلب. فالسيد يتزوّج كنيسته العروس على الصليب بالدم، وبه يتم كل زواج. ويتزوج كلَّ نفس مؤمنة مُحبة. هذا العرس بيننا وبين المعلّم يقتضي اليقظة الدائمة منا. وتزداد فكرة العرس وضوحا في هذه القطعة: «انني أُشاهدِ خِدْركَ مزيَّنا يا مخلّصي، ولستُ أَمتلكُ لباسا للدخول اليه، فأَبهِجْ حلّةَ نفسي يا مانحَ النور وخلّصني».
الخِدْر هو الغرفة الزوجية. يسوع ينتظر فيها نفس المؤمن التي ارتضت ان تُسلم ذاتها اليه. ولكنها تحتاج إلى لباس «رسمي»، لباس المدعوّين إلى وليمة العرس التي ذُكرت في المَثَل الإنجيلي. وتلاحظ هذه النفس انها عارية، وتطلب إلى يسوع أن يعطيها لباسا من عنده. نردد هذه الكلمات ثلاث ليال، ونقيم الخِدَم الإلهية الأخرى مغتذين بجسد الرب ودمه حتى يحلّ قداس الخميس العظيم وهو ذكرى فريدة للعشاء السري. في القراءة الانجيلية المركبة من روايتَي متى ويوحنا: «فيما هم يأكلون، أَخذ يسوعُ الخبزَ وبارك وكَسَر وأَعطى تلاميذه، وقال خذوا كلوا هذا هو جسدي. واخذ الكأس وشكر وأعطاهم، وقال اشربوا منها كلكم لأن هذا هو دمي للعهد الجديد».
العرس هنا قبل العرس السماوي يتم في اتخاذنا جسدَ المسيح ودمه. الجسد في فلسفة الساميين التي بها يعبِّر يسوع هو مظهر الشخصية لأنهم ما كانوا يفرّقون بين النفس والجسد كاليونانيين. فلما قال السيد: «كلوا جسدي»، أراد بلا ادنى ريب ان يقول: هذا شخصي كاملا تناولوه. انا وانتم في انصهار الحب.
والدم عند القدماء هو الحياة. نحن لا نَذبح المسيح ثانية ولا نأكل لحما ماديا ودما ماديا. لقد مات يسوع مرة واحدة. ولكن عندما نتناول القرابين نستقبل في انفسنا المسيح حقيقةً وليس خيالا، ونستمدّ حياة المسيح كلها اي فاعلية السيد التي ظهرت على الصليب وانتشرت في الكون بالقيامة.
سنذوق الصلب حبا والقيامة ايمانا ونفرح.
