دائما تجيئني صدمة عندما أسمع في الكنيسة هذه العبارة: «أمّنا البارّة مريم المصرية». كيف نكون مولودين منها؟ البِرّ الذي كانت عليه، التوبة المذهلة ومن تعابيرها النسك الشديد الحادّ، كل هذا يجعلنا آتين روحيا من اولئك الذين مِن الله وُلدوا. نحن نولد مِن مُسَحاء الله لأن قداسة الله حلّت فيهم.
كانت هذه المرأة زانية. صوّرها صفرونيوس بطريرك اورشليم مشغوفة بالفجور مع ان هذا نادر عند من احترف الدعارة احترافا. ربما أراد الكاتب إبراز التطرف ليُبرز مقابله كثافة التوبة. الخطيئة الكثيفة، الجسيمة لا يرتكبها من كان هزيل الشخصية. المجرم الكبير اذا اهتدى قادر ان يصير بارّا كبيرا. زخمه في الشر دليل طاقة كبيرة توضع فيما بعد في خدمة الرب. كذا كانت حياة بعض القديسين من بين النساك. ولذلك يخطئ الأب الروحي اذا ظن أنه يَعْسر عليه ان يقود خاطئا كبيرا إلى التوبة. ويخطئ الخاطئ اذا اعتبر انه بعيد عن الخلاص بسبب كبر معصيته. التحوّل نعمة من فوق تحرق الزلاّت «الصغرى» والزلاّت الكبرى. المهم كثافة الرحمة النازلة من فوق.
خطايا ثقيلة يقابلها غفران عظيم، هذا ما أرادت الذكرى أن تقوله. لذلك جعلت خدمة السَحَر مريمَ المصرية «نموذجا للتوبة». بدّلَتْ نارَ الشهوة بنار الحب الإلهي. المهم ان تغيّر الاهتمام اي ان تجعل الرب شغلك الشاغل بعد ان كانت الشهوة شغلك. هناك إطفاء للهبٍ ما. هذا ممكن فقط اذا التهبتَ بالحب الإلهي. هذا ممكن أن يحلّ فيك دفعة واحدة او تحارب روحيا مع هزائم حتى تنتصر النعمةُ فيك. ولا تنتهي القضية بقرارات متكررة لإرادتك. الاهتداء ينبع من داخل النفس التي أَسلمت لربها او لا يكون. الهداية تحلّ اذا اقتنعتَ ان يسوع كل شيء فيك وانه يستحقّ كل تضحية منك وانه هو الفرح. انت لا تهتدي إلى أفكار، إلى فكر العفة او التواضع أو المحبة. تهتدي إلى العفة واقعا جديدا فيك وإلى التواضع والمحبة. في الحقيقة انت تولِّي وجهك شطر المسيح ويصبح فيك كل شيء، وهو الذي يسكب فيك الفضائل مجتمعة. فاذا كانت احدى الفضائل غائبة عنك تحلّ عليك وتأتي بصديقاتها الفضائل الأخرى. هذه قاعدة الترابط بين مواهب الله على الصعيد الأخلاقي.
لماذا اختارت الكنيسة زانيةً كبرى لتدعونا إلى توبة كاملة نُنهي بها الصيام تقريبا؟ ليس في الكتاب الإلهي ما يوحي أن الزنا هو الخطيئة الجسيمة الاولى، فالكبرياء اعظم. اظن ان حركة الكنيسة كانت مزدوجة. الأمر الاول ان الزنا خطيئة حسية، تأتي على ألسنة الناس اذا تكلموا على الخطيئة وربما لأن الرهبان الذين وضعوا هذه الأعياد يكافحون بنوع خاص لاجتنابها. غير ان السبب الثاني هو المعنى الذي كان يضفيه العهد القديم على هذه الكلمة. وفيه ان شعب اسرائيل سمّاه أنبياؤه زانيا لأنه يخون الله بالشِرْك اي باتّباعه آلهةً غريبة إلى جانب الإله الحق. بهذا المعنى الواسع للكلمة، كل خطيئة يقترفها الانسان تجعله زانيا، خائنا العريس الوحيد اي الله.
الاستقلال عن الحسيات هو بدء الطريق إلى الاستقلال عن كل شيء. تنتهي صلاة السَحَر اليوم بهذا الكلام: «ليس ملكوتُ الله طعاما وشرابا بل بِرّا ونُسْكا مع قداسة». ولئلا يُفهم ان الكنيسة مهجوسة بأمور الجسد المتفلّت، تابعت الأُنشودة بعد تأكيد النسك والقداسة هكذا: «لذلك يَعْسُر دخوله على الأغنياء». حتى تصل إلى هذا: «الرجل البارّ هو الذي يَرحم النهارَ كله». هذه هي العفّة الكبرى ان تتنزّه عن عشق المال وما يقدّمه لك من سلطان.
فإن عففت يأتي المسيح عليك، أو اذا أتى اليك تعفُّ ولا ترى سوى وجهه.
